ربى اليوسف- خاصّ الأفضل نيوز
سنوات مضت، كان تحضير "المونة" علامة على أن المرأة "ست بيت" و"معدلة"... كانت النساء يتباهين بما يحضِّرن، ويتنافسن في إبراز مهاراتهن. تُفتتح صباحاتهن وتُختتم مساءاتهن بأخبار المونة والطعمة، وكأن كل وعاء يحمل قصة وعناية وحب.
"المونة"… رحلة من الجهد والوقت والذكريات:
من "الكشك" و"اللبنة المزنغلة"، إلى الزيتون الأخضر والشطة الحرة، ومن التتبيلة المميزة إلى المكدوس، الذي وحده قد يستهلك أسبوعًا كاملًا من العناية والاهتمام.
وللحلو أيضًا نصيب، حيث تتولى النساء طبخه وتحويله إلى مربيات شهية: مربى المشمش، والتين، والدراق، والكرز، والتفاح، والفراولة، والسفرجل، والإجاص، واليقطين، وغيرها. وما يميز هذه المربيات أنها لا تحتاج إلى موسم محدد، فبمجرد توفر أنواع الفاكهة تتحول على الفور إلى مذاقات لذيذة تحافظ على نكهتها الطبيعية.
مع دخول المرأة سوق العمل، لم تتحول إلى "I am princess, I don’t work"… فهي ما زالت تعمل بجد، ولكن بقيت أميرة على طريقتها.
مملكتها الجديدة تفرض عليها نمط حياة مختلف، تتحول معه من الإنتاج إلى الاستهلاك، فأصبحت هناك صفحات على مواقع التواصل ومتاجر تعرض كل ما كانت تصنعه بيدها، موفرةً عليها ساعات من التعب.
"المونة" البقاعية، بسحرها ونكهاتها الفريدة، تجد طريقها الآن إلى الأسواق في بيروت، حيث تتنافس مع المنتجات الجاهزة على جذب الزبائن.
ورغم صخب المدينة وحداثة المتاجر، يبقى المذاق المنزلي الأصلي هو الفيصل، فكل زائر للمدينة يبحث عن ذلك الطعم الذي يعيد إليه ذكريات القرى ودفء المائدة المنزلية.
تلجأ بعض العائلات إلى تحضير "المونة" لتأمين الاكتفاء الذاتي لمتطلبات العائلة الغذائية، وفي الوقت نفسه للاستفادة من خيرات الأرض الغنية التي تمنحهم إنتاجًا وفيرًا.
وبجانب ذلك، تتولى بعض السيدات إعداد "المونة" المنزلية وبيعها للمحال التجارية أو لربات المنازل اللواتي لا يقدرن على تحضيرها، محوِّلات مهاراتهن التقليدية إلى مصدر دخل يُعزز من استقلاليتهن ويساهم في النشاط الاقتصادي المحلي.
يرى البعض أن الحياة الحديثة غيّرت شكل "المونة"، إذ أصبحت المحلات التجارية توفر أنواعًا جاهزة، ومع ذلك، يشيرون إلى أن أسعار هذه المنتجات غالبًا ما تفوق قدرة كثير من الأسر، وأن جودتها لا تُقارن بما يُحضّر في البيت.
وخلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة، تمسك كثيرون بهذه العادة، خصوصًا في القرى، إلا أن مأكولات القرية انتقلت إلى المدينة ولاقت رواجًا أكبر بعد أن وجد فيها البعض مصدر رزق يعتمدون عليه في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
فقد أتاح لهم تحضير "المونة" الاستفادة ماديًا من المنتجات الطبيعية التي تنتجها أراضيهم، بينما استمر آخرون في تحضير المونة الشتوية كعادة موروثة تحقق الاكتفاء الذاتي.
تلعب المرأة الريفية في لبنان دورًا محوريًا في الحفاظ على التراث الغذائي، وتحويله إلى مصدر دخل. فوفق تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تشكل النساء نحو 43 % من قوة العمل في القطاع الزراعي اللبناني
في إحدى قرى البقاع، تروي السيدة نوال (55 عامًا) أنها بدأت تحضير "المونة" منذ كانت فتاة صغيرة مع والدتها. ومع مرور الوقت، لم تعد المونة مجرد طقوس عائلية، بل أصبحت مصدر دخل لها ولعائلتها، حيث بدأت ببيع بعض المنتجات الجاهزة إلى المحلات في بيروت.
واليوم، وعلى الرغم من وفرة المواد الغذائية في الأسواق، تبقى المونة عادةً يعتز بها الكثيرون، وكأنها "لمسة بركة" تحيط بالمنزل وتُحيي دفء الذكريات.
إنَّ النساء المسنَّات، ينظرن إلى شراء "المونة" وحتى الطبخ الجاهز - مثل التبولة، وورق العنب، والمحاشي -بنظرة مليئة بالدهشة والاستغراب. يقلن بحسرة: "هالجيل كيف صاير؟..." كأنهن يحنن إلى أيام كان فيها كل شيء يُحضَّر باليد، بكل حب وصبر، حيث كانت "المونة "والمطبخ المنزلي عنوانًا للمهارة ودفء العناية بالعائلة."

alafdal-news
