ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
في وقتٍ لا يزال فيه لبنان يحاول الخروج من واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، يبرز رقم جديد يعيد فتح النقاش حول المسار الذي يسلكه الاقتصاد اللبناني. فبحسب تقديرات دولية، يُتوقّع أن يقترب حجم الاقتصاد اللبناني من 43 مليار دولار في عام 2025، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ نحو 14 عاماً. هذا التطوّر يأتي بعد سنوات طويلة من الانكماش الحاد الذي بدأ عام 2019 وأدّى إلى تراجع كبير في النشاط الاقتصادي وانعكس مباشرة على مستوى معيشة اللبنانيين.
هذا التحسّن النسبي لا يعني بالضرورة أن لبنان دخل مرحلة انتعاش اقتصادي حقيقي، لكنه يشير إلى توقّف التدهور السريع الذي شهده الاقتصاد خلال السنوات الماضية. ففي الفترة الأخيرة، عاد جزء من الحركة الاقتصادية مدفوعاً بعدّة عوامل، أبرزها ارتفاع التحويلات المالية من اللبنانيين في الخارج، وتحسّن نسبي في الموسم السياحي، إلى جانب اعتماد واسع للتعامل النقدي بالدولار، ما أعاد قدراً من الاستقرار إلى السوق بعد سنوات من التقلبات الحادّة.
وبحسب البنك الدولي، من المتوقّع أن يسجّل الاقتصاد اللبناني نمواً إيجابياً بعد فترة طويلة من التراجع، إلا أن هذا النمو يبقى محدوداً وحذراً، ومرتبطاً بشكل مباشر بعوامل الاستقرار السياسي والأمني.
وفي هذا السياق، يؤكّد الخبير الاقتصادي محمد فحيلي لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "مكوّنات القطاع الخاص في لبنان أظهرت قدرة استثنائيّة على الصمود في وجه الأوضاع الاقتصاديّة والأمنيّة والسياسيّة وحتى الجيوسياسيّة، لا بل استطاعت التقدّم رغم كل الصعوبات".
وأضاف: "الأرقام غير الرسميّة المتداولة في الأوساط الاقتصادية تشير إلى أن عدد المؤسسات الصغيرة التي نشأت خلال الأزمة فاق التوقّعات، إلا أن هذه المؤسسات لا تخضع للرقابة ولا تمتلك سجلاً تجارياً، ما يطرح تساؤلات حول إمكانيّة اعتبار هذا الواقع نمواً اقتصادياً فعلياً، أو ما يمكن وصفه بدقة أكبر بصمود اقتصادي".
في المقابل، يحذّر اقتصاديون من اعتبار هذه الأرقام مؤشراً مباشراً على تحسّن فعلي في أوضاع اللبنانيين، إذ لا تزال القدرة الشرائيّة ضعيفة، ومعدلات الفقر والبطالة مرتفعة، فيما تعاني الدولة من عجز مزمن عن تأمين الخدمات الأساسية.
ويعتبر فحيلي أنّ: "توصيف المرحلة الحاليّة على أنها مسار إيجابي هش هو الوصف الأدق، إذ يجب الإقرار بأن المؤسسات الصغيرة قادرة على الاستمرار ضمن اقتصاد الظل الذي نعيشه اليوم، على عكس المؤسسات الكبيرة". ويشير إلى أنّ: "لبنان موجود على اللائحة الرماديّة لمجموعة العمل المالي، وعلى لائحة الدول العاليّة المخاطر بالنسبة للأسواق الأوروبية، وبالتالي فإن أي تحسّن ملحوظ يجب أن يشكّل ممراً إلزامياً نحو اقتصاد شرعي، ومن هنا تبرز أهمية الخطوات التي يفترض بالدولة اللبنانية المباشرة بها، ولو بالحد الأدنى، لإعادة ثقة الدول الصديقة التي كانت تدعم لبنان مادياً أو تقدّم له المساعدات".
في الواقع، ما يعيشه لبنان اليوم يمكن وصفه بمحاولة لالتقاط الأنفاس أكثر منه تعافياً اقتصادياً متكاملاً. فالنشاط القائم يعتمد إلى حدّ كبير على المبادرات الفردية، وعلى اقتصاد نقدي خارج إطار الدولة، في ظل غياب الإصلاحات الجذرية التي طال انتظارها، ولا سيما في القطاع المصرفي والماليّة العامة. لذلك، يبقى هذا التحسّن عرضة للتراجع في أي لحظة في حال شهد البلد اضطرابات سياسيّة أو أمنيّة جديدة، أو أي تراجع في تدفّق العملات الأجنبيّة.
وفي هذا الإطار، يلفت فحيلي في حديثه لـ"الأفضل نيوز" إلى أنّ: "لبنان لا يملك ترف الإصلاح في المرحلة الحاليّة، لكن هناك ضرورة ملحّة لتصويب الأداء".
ويوضح أنّ :"الإصلاح يتطلّب موارد لا تمتلكها الدولة اللبنانية حالياً، كما يتطلّب إعادة هيكلة الدين العام، ما قد يفرض واقعاً قاسياً لا تستطيع الدولة تحمّله في الوقت الراهن، لذلك من الأفضل التركيز على تصويب الأداء بدل الذهاب إلى إصلاحات شاملة في هذه المرحلة".
من هنا، فإن وصول حجم الاقتصاد اللبناني إلى هذا المستوى، على أهميته الرمزية، لا يكفي وحده للحكم على مستقبل المرحلة المقبلة. فالتحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا الاستقرار النسبي إلى مسار ثابت يعيد الثقة تدريجياً، ويترجم الأرقام إلى تحسّن ملموس في حياة اللبنانيين اليوميّة.
وحتى ذلك الحين، يظل الاقتصاد اللبناني معلّقاً بين فرصة ضيّقة للتصحيح، وخطر العودة إلى دائرة الانكماش في حال استمرار الجمود السياسي والإصلاحي.

alafdal-news
