نوال ابو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد الانهيار في لبنان حالة استثنائية أو مرحلة عابرة يمكن تأطيرها زمنياً، فمع تراكم الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية، بات المجتمع يعيش في ما يشبه "الحالة الدائمة للطوارئ"، حيث تتحوّل الأزمة من حدث إلى بنية، ومن صدمة إلى سياق. في هذا الإطار، نشأت ثقافة اجتماعية قائمة على التكيّف مع الانهيار، لا بوصفه خللاً يجب إصلاحه، بل واقع يجب التعايش معه. هذه الثقافة، وإن أتاحت للمجتمع آليات بقاء واستمرار، تطرح أسئلة عميقة حول آثارها على الوعي الجماعي، وعلى مفهوم الدولة، المواطنة والتغيير.
التكيّف البنيوي
من منظور علم الاجتماع، لا يمكن فهم التكيّف اللبناني على أنه نتيجة "مرونة ثقافية" أو "قدرة فطرية على التحمّل"، كما يروَج أحياناً؛ فالتكيّف هنا هو استجابة بنيوية لانهيار منظومة الحماية الاجتماعية وغياب الدولة كفاعل ضامن للحقوق. حين يفقد الفرد الثقة بالمؤسسات، يتحوّل تلقائياً إلى البحث عن بدائل: العمل غير النظامي، الاقتصاد النقدي، شبكات الزبائنية، والعلاقات العائلية والمناطقية.
هذا التحوّل لا يعكس استقلالية، بل يعكس انسحاباً قسرياً من المجال العام. فالمواطن الذي يجبر على تأمين أساسيات حياته خارج إطار الدولة، لا يمارس حرية اقتصادية، بل يعيش شكلاً من أشكال "الخصخصة القسرية للحياة اليومية"، ومع الوقت، تصبح هذه الممارسات مألوفة، ويتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ما يعيد إنتاج الأزمة بدل كسرها.
تطبيع الانهيار
من هنا، تنقل مصادر اجتماعية لموقع "الأفضل نيوز" أن "أحد أخطر نتائج التكيّف الاجتماعي هو تطبيع الانهيار. في المجتمعات المستقرة، تقاس الأزمات بمدى خروجها عن القاعدة. أما في الحالة اللبنانية، فقد انقلبت المعادلة: الانهيار هو القاعدة، والاستقرار هو الاستثناء. هذا الانقلاب في المعايير لا يحدث فجأة، بل عبر تراكم طويل من الخيبات، حيث يعاد تعريف "الطبيعي" بما يتناسب مع مستوى أدنى من الحقوق والخدمات".
وعلى الصعيد الاجتماعي، تعتبر المصادر أن "هذا التطبيع يشكّل آلية دفاع جماعية. فالمجتمع الذي يعيش صدمة دائمة، يطوّر أدوات نفسية لتخفيف وقعها، أبرزها الاعتياد والتقليل من خطورة ما يحدث، لكن هذه الآلية، رغم دورها الوقائي، تؤدي إلى تآكل الحسّ النقدي، وتُضعف القدرة على الغضب المنتج، أي الغضب القادر على التحوّل إلى فعل جماعي منظّم".
إعادة تشكّل الروابط الاجتماعية: تضامن ضيّق وثقة مفقودة
وفي سياق متصل، ترى المصادر نفسها أن "الأزمات المتلاحقة أدّت إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية اللبنانية. فمن جهة، تعزّزت شبكات التضامن الأولية، كالأسرة والطائفة والمنطقة، باعتبارها ملاذاً أخيراً في غياب الدولة. ومن جهة أخرى، تراجعت الثقة بالمجال العام وبإمكانية العمل الجماعي العابر للانتماءات الضيقة.
هذا النمط من التضامن، رغم أهميته في لحظات الانهيار، يحمل في طيّاته مخاطر طويلة الأمد. فهو ينتج مجتمعاً قائماً على دوائر أمان مغلقة، حيث تدار الموارد والفرص بمنطق القرب والانتماء، لا بمنطق العدالة والمساواة. وبدلاً من أن تكون الأزمة لحظة لإعادة بناء العقد الاجتماعي، تتحوّل إلى فرصة لإعادة إنتاج الزبائنية والانقسام".
التكيّف والإنهاك النفسي الجماعي
على المستوى النفسي، تشرح المصادر أن "المجتمع اللبناني يظهر قدرة لافتة على الاحتمال، لكنها قدرة مكلفة؛ فالعيش المستمر في ظل عدم اليقين يولّد ما يمكن تسميته "الإنهاك النفسي الجماعي"، حيث تختفي مظاهر الصدمة الحادة لتحلّ مكانها حالة مزمنة من التعب واللامبالاة المشوبة بالقلق. في هذا السياق، لا يُفهم الصمت الاجتماعي بوصفه قبولاً بالأمر الواقع، بل تعبيراً عن استنزاف طويل، فالأفراد الذين خاضوا موجات متتالية من الخسارة الاقتصادية، والرمزية، والمعنوية، يجدون أنفسهم غير قادرين على الاستثمار العاطفي في معارك جديدة، حتى وإن كانوا مقتنعين بعدالتها، وهنا يكمن أحد أخطر وجوه التكيّف: تعطيل الطاقة الجماعية على التغيير".
من التكيّف إلى الاستسلام المقنّع
أمام كل تلك المعطيات، توضح المصادر أن "المفارقة الأساسية في الحالة اللبنانية أن ثقافة التكيّف تقدّم غالباً كدليل على "قوة المجتمع"، فيما تستخدم عملياً لتبرير فشل السلطة واستمرار الانهيار. فالقول إن اللبناني يتدبّر أمره يخفي حقيقة أن هذا التدبير يتم على حساب الحقوق، والكرامة، والاستقرار النفسي والاجتماعي".
نحو استعادة المعنى الاجتماعي للأزمة
عليه، تختم المصادر: "لا تكمن خطورة الانهيار في نتائجه المادية فقط، ببل في قدرته على تفريغ الأزمة من معناها السياسي والاجتماعي. فحين يختزل الانهيار في مسألة قدرة على الصمود، تُمحى أسئلة المسؤولية والمحاسبة والخيارات البديلة. لذلك، فإن كسر ثقافة التكيّف لا يعني إنكار واقع الأزمة، بل إعادة تسييسها اجتماعياً، أي ربط المعاناة اليومية ببُناها وأسبابها".
في الخلاصة، لم يصبح اللبناني معتاداً على الأزمات بقدر ما أصبح أسيرها. وبين التكيّف كآلية بقاء، والتغيير كحاجة وجودية، يقف المجتمع اللبناني أمام تحدّ مفصلي: إمّا الاستمرار في إدارة الانهيار بأدوات فردية ومجزّأة، أو تحويل هذا الوعي المتراكم بالأزمة إلى مشروع اجتماعي يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية.

alafdal-news



