طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
تتزايد في الآونة الأخيرة تصريحات وتحليلات إسرائيلية تتحدث عن احتمال نشوء كيانات سياسية جديدة في المنطقة العربية، على أسس طائفية أو إثنية، من جنوب اليمن إلى شمال العراق وسوريا ولبنان.
وعلى رغم من أن مثل هذه التصريحات قد تبدو للوهلة الأولى نوعاً من التهويل السياسي والإعلامي، إلا أنها تكتسب خطورة كبيرة، لأنها تتقاطع مع واقع عربي مأزوم، ومع خطاب إسرائيلي متجدد حول ما مفهوم "إسرائيل الكبرى" التي كان بنيامين نتنياهو أعلن خريطتها قبل بضعة أشهر. والمسألة هنا لا تتعلق فقط بما تريده إسرائيل، بل بما تسمح به البيئة العربية الراهنة.
على أن التفكك العربي لم يبدأ فقط بتدخل خارجي مباشر، بل بدأ حين فشلت الدولة الوطنية في أداء وظائفها الأساسية: الحماية، العدالة، التنمية، والتمثيل السياسي. ومع هذا الفشل، تراجعت الهوية الوطنية الجامعة، وبرزت الهويات الفرعية كبدائل مؤقتة للأمان والانتماء. وفي هذا السياق، لم يعد الخلاف سياسياً حول السياسات والبرامج، بل تحوّل في كثير من الدول نزاعاً وجودياً حول الهوية، وهو أخطر أشكال النزاع، لأنه يقوّض فكرة الدولة نفسها.
وإسرائيل، بخلاف ما يُشاع أحياناً، لا تملك القدرة ولا الحاجة إلى "صناعة دول" جديدة بقرار منفرد. لكنها تمتلك القدرة على استثمار التفكك القائم. فالدول الضعيفة والمنقسمة لا تشكّل تهديداً استراتيجياً، بل تتحول إلى عبء على نفسها، ومجال مفتوح للتأثير الخارجي.
وهنا يتبدّى التحول في التفكير الإسرائيلي: من هاجس الأمن والدفاع، إلى السعي لإعادة هندسة المجال الإقليمي بحيث تكون إسرائيل الدولة الأكثر تماسكاً واستقراراً في محيط مفكك.
وحين يُعاد طرح مفهوم "إسرائيل الكبرى" في الخطاب السياسي الإسرائيلي، فإن المقصود به اليوم لا يبدو خريطة توسعية كلاسيكية تمتد عبر الحدود، بمقدار ما هو تصور لهيمنة إقليمية غير مباشرة. "إسرائيل الكبرى" ليست تلك التي تكبر جغرافياً، بل تلك التي تحوط بها دول أصغر، أضعف، ومنشغلة بنزاعاتها الداخلية. وبهذا المعنى، يتحقق المشروع بلا احتلالات، وبلا حروب كبرى، بل عبر اختلال في موازين القوى لمصلحة طرف واحد يمتلك الدولة والمؤسسات، في مقابل محيط فاقد للبوصلة.
ولكن على رغم من قتامة المشهد، فإن التفكيك ليس مصيراً حتمياً. فالتجارب التاريخية تُظهر أن الدول لا تنهار فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل بسبب عجزها عن التجدد. وإن إعادة بناء العقد الاجتماعي والانتقال من دولة الطائفة أو العرق إلى دولة المواطنة، تبقى الخيار الوحيد القادر على وقف هذا المسار. والمفارقة هنا هي أن أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم ليس مشروعًا إسرائيلياً معلناً، بل استمرار الفشل الداخلي العربي، وإنكار عمق الأزمة، وتحويل كل نقد إلى مؤامرة.
وفي المحصلة لا يعاد صوغ الشرق الأوسط في مراكز الأبحاث الإسرائيلية وحدها، بل في شوارع ومدن عربية فقدت الثقة بدولها. و"إسرائيل الكبرى" لا تولد حين تتوسع إسرائيل، بل حين تتفكك الدول من حولها وهذا هو طموحها منذ أيام ديفيد بن غوريون. أما السؤال الحقيقي، فليس ماذا تخطط إسرائيل، بل: هل تملك الدول العربية مشروعاً جاداً لمنع تفككها قبل فوات الأوان؟

alafdal-news
