نوال أبو حيدر- خاصّ الأفضل نيوز
تُشكل ظاهرة "الأسرة المشطورة" في لبنان عام 2026 أحد أكثر التحولات الاجتماعية عمقاً وألماً، حيث لم تعد الهجرة مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل استحالت استراتيجية بقاء قسرية أعادت صياغة مفهوم البيت اللبناني.
ففي ظل هذا الواقع، يبرز نمط مختلط يعيش فيه أحد الوالدين خلف البحار لتأمين الموارد، بينما يصارع الآخر في الداخل لتأمين الاستقرار التربوي، مما خلق فجوة عاطفية وجغرافية وضعت النسيج النفسي للأجيال الصاعدة في مهب الريح.
الغياب الحاضر
هذا الانفصال الجسدي ولّد لدى الأطفال والمراهقين حالة من الاغتراب الوجداني، حيث تحول الوالد الغائب إلى مجرد "أيقونة رقمية" تطل عبر الشاشات. ومع مرور الوقت، يختبر الأبناء ما يُعرف بالفقدان الغامض، فهم يملكون والداً في العالم الافتراضي لكنهم يفتقدونه في تفاصيل حياتهم اليومية، من مائدة الطعام إلى لحظات التوجيه المباشر، هذا الغياب للنموذج الواقعي يترك المراهقين تحديداً في حالة تخبط، حيث يبحثون عن بدائل عاطفية وسلطوية قد تكون غير آمنة لتعويض ذلك الفراغ الذي لا تملؤه التحويلات المالية مهما بلغت قيمتها.
الاستنزاف الصامت
وعلى المقلب الآخر من هذه المعاناة، يجد الوالد الصامد في لبنان نفسه في مواجهة احتراق نفسي ناتج عن "تداخل الأدوار". فبين ليلة وضحاها، تضطر الأم أو الأب لدمج أدوار كانت موزعة تاريخياً بين شريكين، لتصبح هي مصدر الحنان والسلطة الحازمة والمدير المالي والأمني في آن واحد. هذا الثقل المضاعف للمسؤوليات في بيئة خانقة يستهلك طاقة الشريك الصامد، مما يجعله في حالة استنفار دائم تفقده القدرة على تقديم الدعم العاطفي الهادئ، ويحوله إلى "مدير أزمة" منهك نفسياً وجسدياً.
ثَمن الصمود
إن هذا المشهد لا يقتصر أثره على جدران المنزل، بل يمتد ليشكل ملامح مجتمع "الانتظار" في لبنان، حيث باتت حياة الأسر معلقة بين موعد اتصال أو تاريخ إجازة سنوية، ومع تآكل السلطة الأسرية التقليدية وتدخل العائلة الممتدة لتعويض الغياب، تبرز صراعات خفية حول المرجعية والقرار، مما يزيد من تشتت الأبناء، لذا، فإن مواجهة هذا التحدي تتطلب وعياً مجتمعياً يتجاوز البعد المادي، لإيجاد شبكات دعم نفسية واجتماعية تحمي الروح العائلية من التحلل، وتضمن ألا يكون ثمن الصمود الاقتصادي هو التضحية بالصحة النفسية لمستقبل البلاد.
في الخلاصة، يبقى التحدي الأكبر في لبنان هو حماية الأسرة من الانهيار الصامت الذي يصاحب الغياب القسري لأحد الوالدين. فالفجوات العاطفية والجغرافية لا تُملأ بالمال وحده، بل تحتاج إلى حضور متواصل ودعم نفسي واجتماعي. إن الصمود الاقتصادي، مهما بلغت قيمته، لا ينبغي أن يكون على حساب استقرار الأطفال والمراهقين النفسي ، المجتمع بحاجة إلى إدراك شامل لتداعيات "الأسرة المشطورة" ووضع سياسات تحمي الروابط الأسرية، وتعزيز شبكات الدعم والمجتمع المحلي يمكن أن يخفف من ضغط الفقدان الغامض وتداخل الأدوار.

alafdal-news
