ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة، تعود الفضة لتحتل واجهة المشهد المالي العالمي، ليس كملاذٍ تقليدي فحسب، بل كعنصر محوري في صراع الدول الكبرى على مستقبل التكنولوجيا. الحديث اليوم لم يعد عن تقلبات اعتيادية في الأسعار، بل عن موجة ارتفاع وُصفت بالجنونيّة، تضع أونصة الفضة على مشارف كسر حاجز الـ100 دولار، في مشهد يعكس عمق التغيّرات الجيوسياسيّة والاقتصادية التي يعيشها العالم.
منذ عام 2023، حين كانت أونصة الفضة تُتداول قرب 18 دولاراً، شهد هذا المعدن قفزة نوعيّة في قيمته، تجاوزت عوائدها 200% خلال فترة قصيرة نسبياً. هذا الارتفاع لم يكن معزولاً عن السياق العام للأسواق، بل جاء نتيجة تحوّل جذري في موقع الفضة داخل الاقتصاد العالمي. أشار محلل الأسواق المالية دانيال البنى في حديث للـ"الأفضل نيوز" أنّ: "أداء الفضة تفوّق على الذهب من حيث العوائد، رغم صعود الأخير، لأن الطلب عليها لم يعد محصوراً بالاستثمار أو الادخار، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بالتكنولوجيا، والصناعات الثقيلة، والطاقة الخضراء، والذكاء الاصطناعي".
هذا التحوّل في طبيعة الطلب وضع الفضة في قلب سباق استراتيجي تقوده الدول الكبرى. الولايات المتحدة والصين، ومعهما قوى اقتصادية أخرى، تخوض اليوم معركة مفتوحة حول من سيتحكم بمفاصل التكنولوجيا في السنوات المقبلة. وفي هذا السباق، أصبحت الفضة مادة أساسيّة لا يمكن الاستغناء عنها، ما جعل معادلة العرض والطلب العامل الأبرز في دفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. كما شدّد البنى لـ"الأفضل نيوز" على أنّ: "الضغط المتزايد في الطلب يترافق مع بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد، شهدت خلال الفترة الأخيرة قرارات مفصليّة وتحوّلات عميقة، خصوصاً في الشرق الأوسط، زادت من حالة عدم اليقين في الأسواق العالميّة."
وأضاف: "أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض شكّلت عاملاً إضافياً في تعميق هذا القلق، إذ دخلت الأسواق مرحلة من الترقّب الحذر، انعكست مباشرة على توجهات المستثمرين. فالمستثمر الذي كان يكتفي سابقاً بتوجيه أمواله نحو الذهب، بات اليوم أكثر ميلاً إلى تنويع محفظته، موزعاً استثماراته بين الذهب والفضة، وأحياناً العملات الرقميّة، في محاولة للتحوّط من تقلبات المرحلة المقبلة. ويُجمع متابعو السوق على أن القفزة الكبيرة التي حققتها الفضة، مقارنةً بغيرها من الأصول، كانت كافية لإعادة رسم أولويات المستثمرين".
أما على مستوى الأسعار المستقبليّة، فيرى البنى أن السوق تتجه بوضوح نحو كسر الحاجز النفسي عند 100 دولار للأونصة. هذا الاختراق، في حال حصوله، قد يترافق مع مرحلة من الثبات أو الركود النسبي عند هذه المستويات، قبل أن تنطلق موجة صعود جديدة أكثر حدّة، قد تدفع الأسعار إلى حدود 130 دولاراً. ويُلفت في هذا السياق إلى الدور الصيني المتنامي في سوق الفضة، حيث تُعرض الأسعار في بعض الأسواق الآسيوية، ولا سيما في شنغهاي، عند مستويات تقارب 112 دولاراً، ما يعكس اختلافاً في ديناميكيات التسعير بين الشرق والغرب.
وسط هذا المشهد، لم تعد الفضة تُعامل كأداة استثمار تقليدية طويلة الأمد بقدر ما أصبحت أداة مضاربة بامتياز. فالسرعة الكبيرة في الارتفاع، والزخم القوي الذي يحرّك السوق، جعلاها هدفاً للمضاربين الباحثين عن أرباح سريعة، في ظل عالم اقتصادي يعيش حالة من الجنون المالي وعدم الاستقرار.
في المحصلة، ما يجري في سوق الفضة ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر واضح على مرحلة جديدة يعاد فيها تشكيل الخريطة الاقتصادية والاستثمارية عالمياً. فبين سباق التكنولوجيا، والتحوّلات الجيوسياسيّة، وتقلبات السياسات الكبرى، تبدو الفضة اليوم مرآة تعكس صراع القوى على مستقبل الاقتصاد العالمي، حيث لم يعدِ المعدن الأبيض مجرد أصلٍ ثمين، بل لاعباً رئيسياً في معركة النفوذ المقبلة.

alafdal-news



