ميرنا صابر - خاص الافضل نيوز
منذ أن خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريحات جديدة يُعاد تداولها بشأن لقاحات كورونا، عادت المخاوف لتتصدر النقاش العام: هل يمكن أن تكون هذه اللقاحات "قنبلة موقوتة" تنهي حياة من تلقاها بعد عشر سنوات؟ سؤال خطير، يحمل في طياته هواجس صحية وديموغرافية وسياسية، ويستحق مقاربة دقيقة بعيدة عن الانفعال، لكن غير منفصلة عن الحقائق الصادمة التي عاشها العالم خلال جائحة COVID-19
عالمياً، تلقّى مليارات الأشخاص جرعة واحدة على الأقل من لقاحات كورونا. في العديد من الدول المتقدمة، تجاوزت نسبة التطعيم 70% من السكان البالغين خلال ذروة الحملات. لو افترضنا نظرياً، وجود أثر قاتل مؤجل بعد عشر سنوات، فإننا نتحدث عن سيناريو يمس شريحة ضخمة من الفئات العمرية المنتجة، أي ما بين 20 و60 عاماً، وهو ما كان سيُترجم تدريجياً في مؤشرات الوفيات، التأمينات الصحية، ومتوسط الأعمار المتوقع.
لكن الأرقام المتاحة حتى اليوم لا تعكس هذا المسار. بعد بدء حملات التطعيم الواسعة عام 2021، انخفضت نسب الوفيات المرتبطة بكورونا في دول عدة بأكثر من 60% مقارنة بذروة الجائحة، خصوصاً لدى كبار السن الذين شكلوا الفئة الأكثر هشاشة. كما أظهرت بيانات صحية في أكثر من دولة أن احتمالات الوفاة جراء الإصابة الشديدة بالفيروس كانت أعلى بعدة أضعاف لدى غير الملقحين مقارنة بالملقحين، لا سيما في الفئات العمرية فوق 50 عاماً.
إذا نريد إجابة على سؤال هل سجلت آثار جانبية؟ بالتأكيد نعم. تقارير السلامة العالمية رصدت حالات نادرة من التهاب عضلة القلب لدى بعض الشباب الذكور بعد لقاحات كوفيد ١٩، بمعدلات قُدرت بعشرات الحالات لكل مليون جرعة، إضافة إلى جلطات دموية نادرة مرتبطة ببعض اللقاحات الأخرى. لكن هذه النسب بقيت منخفضة جداً مقارنة بعدد الجرعات التي أُعطيت عالمياً، والتي تجاوزت مليارات الجرعات. حتى الآن، لا توجد دراسة علمية منشورة تثبت وجود آلية بيولوجية تؤدي إلى وفاة جماعية مؤجلة زمنياً بعد عقد كامل من التطعيم.
أما على المستوى الديموغرافي، فلو كان هناك "أثر إبادة مؤجل" لكانت المؤشرات الأولية بدأت بالظهور في شكل ارتفاع غير مبرر في وفيات الفئات العمرية المتوسطة خلال السنوات التالية للتطعيم. غير أن الاتجاهات السكانية في معظم الدول لم تُظهر نمطاً استثنائياً مرتبطاً بصفة مباشرة باللقاحات، بل تأثرت أساساً بموجات الفيروس نفسها، وبالاختلاف في السياسات الصحية.
التحدي الأخطر اليوم ليس في وجود دليل علمي على “نهاية مؤجلة”، بل في أثر الخطاب المشحون على ثقة الناس بالطب الوقائي. فالتشكيك غير المدعوم بأبحاث قد يؤدي إلى تراجع معدلات التطعيم مستقبلاً ضد أمراض أخرى، ما يفتح الباب أمام عودة أوبئة قديمة كان العالم قد نجح في كبحها لعقود.
هذا الخطر لا يُقرأ نظرياً فقط، بل يُقاس بالأرقام. في السنوات الأخيرة، سجّلت عدة دول تراجعاً في معدلات تطعيم الأطفال الروتيني بنسبة تراوحت بين 5% و15% مقارنة بما قبل جائحة COVID-19، وفق تقارير صحية دولية. هذه النسب قد تبدو محدودة للوهلة الأولى، لكنها كافية لإضعاف ما يُعرف بـ“مناعة القطيع”، ورفع احتمالات عودة أمراض مثل الحصبة أو السعال الديكي، التي تحتاج في بعض الحالات إلى تغطية تطعيم تفوق 90% لمنع التفشي.
ومع الحديث عن "وباء جديد" سواء كان مرتبطاً بتحورات فيروسية أو أمراض تنفسية ناشئة، فإن التحدي يصبح مضاعفاً. فظهور أي تهديد صحي جديد يتطلب استجابة سريعة قائمة على الثقة العامة بالمؤسسات الصحية. وإذا كانت هذه الثقة قد تآكلت بفعل حملات التشكيك، فإن نسب الإقبال على اللقاحات المستقبلية قد تتراجع بشكل ينعكس مباشرة على معدلات العدوى والوفيات.
ديموغرافياً، أي موجة وبائية جديدة تضرب مجتمعاً منخفض التغطية بالتطعيم قد ترفع معدل الوفيات في الفئات الهشة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة بنسبة ملحوظة مقارنة بالمجتمعات ذات الامتثال الصحي المرتفع. كما قد تؤثر في متوسط الأعمار المتوقع، وفي حجم القوى العاملة، وفي كلفة الأنظمة الصحية، وهي عناصر لا تقاس بالشائعات بل بالإحصاءات السنوية الدقيقة.
من هنا، يصبح النقاش حول اللقاحات أكثر من مجرد جدل سياسي أو إعلامي؛ إنه مسألة تتعلق بالأمن الصحي والديموغرافي. فالمعادلة واضحة: كلما ارتفعت نسبة الشك غير المستند إلى بيانات، انخفضت نسبة الوقاية الفعلية. وكلما تراجعت الوقاية، ارتفعت قابلية المجتمعات لأي وباء جديد، سواء في 2026 أو بعده.
بين خطاب التخويف وواقع الأرقام، يبقى الرهان على وعي الجمهور، وعلى قدرة الإعلام المسؤول على الفصل بين الفرضيات غير المثبتة والوقائع المدعومة بالدراسات. لأن كلفة فقدان الثقة قد تكون أعلى بكثير من كلفة أي لقاح.

alafdal-news



