طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
في ضوء التوتر الشديد السائد هذه الأيام بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة ثانية تبدو المنطقة، وخصوصًا من الخليج إلى شرق المتوسط، وكأنها تقف على حدّ السكين. لا حرب شاملة أُعلنت بعد، ولا تسوية نضجت شروطها كاملة. لكن ما هو مؤكد أن مرحلة الانتظار الاستراتيجي دخلت خواتيمها، وأن الحسابات الكبرى باتت أكثر اقتراباً من لحظة القرار، سواء أكان القرار بالذهاب إلى مواجهة عسكرية واسعة، أم بالانحناء أمام الوقائع الجديدة والبحث عن تسويات تحفظ الحد الأدنى من المصالح.
في هذا السياق، ترى أوساط ديبلوماسية أنه لا يمكن فصل المشهد اللبناني الداخلي، بما فيه من هرج سياسي حول "حصرية السلاح" عن الاشتباك الإقليمي المفتوح بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران وحلفائها من جهة أخرى. فلبنان، كما في كل المحطات السابقة، ليس ساحة مستقلة، بل جزء من ساحة نزاع أوسع، تتبدل فيها الأدوار لكن لا يتبدل الموقع.
إيران
إيران المهددة بضربة أميركية إسرائيلية تقف الآن، بين خياري الصمود أو التسوية ففي حال تعرضها لهذه الضربة سواء استهدفت منشآتها النووية، أو بنيتها العسكرية، أو قياداتها، فإنها لن تتعامل معها كحدث عابر أو "رسالة ردع"، بل كمحاولة كسر استراتيجية. إيران، التي بنت عقيدتها الدفاعية على مبدأ "الرد المتعدد الساحات"، لن ترد بالضرورة بضربات مباشرة ومتكافئة على إسرائيل أو القواعد الأميركية فقط، بل ستُطلق سلسلة ردود متدرجة ومركّبة، تشمل تحريك الجبهات الحليفة لها في لبنان والعراق واليمن، وأماكن أخرى معلومة أو مجهولة، وتهديد الملاحة في الخليج وبحر العرب وربما إقفال مضيق هرمز الاستراتيجي، واستخدام وسائل اقتصادية وأمنية لرفع كلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها.
وفي هذا السيناريو، لا تبحث إيران عن نصر عسكري تقليدي، بل عن منع الهزيمة السياسية والعسكرية، وإثبات أن استهدافها سيشعل المنطقة بكاملها، بما يجعل أي ضربة لاحقة غير قابلة للتكرار. لكن الثمن سيكون باهظاً اقتصادياً، داخلياً، وربما على مستوى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية نفسها.
أما إذا نجحت المساعي الجارية عبر الوسطاء الإقليميين أو الدوليين فإن إيران قد تقبل بتسوية قاسية لكنها محسوبة، تقوم على تجميد أو ضبط برنامجها النووي ضمن سقوف متفق عليها، والحصول على تخفيف تدريجي للعقوبات، وتثبيت نفوذها الإقليمي من دون توسيعه.
وهذه التسوية إن حصلت فإنها لن تكون تسوية “انتصار”، بل تسوية منع الانفجار، تسمح لطهران بإعادة ترتيب بيتها الداخلي، من دون التخلي عن جوهر مشروعها الإقليمي، ولكن مع خفض مستوى الاشتباك المفتوح.
حزب الله
أما حزب الله فهو يقف بين معادلة الردع وخطر الاستنزاف. فالموقف الذي أعلنه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، من أنه “لن يكون محايداً” في حال تعرّضت إيران لعدوان، لا يعني تلقائياً الذهاب إلى حرب شاملة على الجبهة اللبنانية. بل يعكس سياسة الغموض المقصود التي يعتمدها: "ردع من دون التزام زمني أو ميداني محدد".
ولكن في حال اندلاع مواجهة كبرى، فسيجد حزب الله نفسه تحت ضغط مزدوج: خارجي إسرائيلي ـ أميركي وداخلي لبناني. وأي انخراط عسكري واسع سيضع لبنان أمام خطر الانهيار الشامل، اقتصادياً وأمنياً. ولذا فإن الحزب قد يختار الرد المحسوب (في حال قرر الرد): فتح جبهة محدودة، استنزاف تدريجي، من دون الذهاب إلى حرب تدميرية شاملة إلا إذا فُرضت عليه. لكن التحدي الأكبر للحزب ليس عسكرياً فقط، بل سياسياً ـ اجتماعياً ويتخلص بالسؤال: إلى أي مدى يستطيع تحمّل كلفة حرب جديدة في بيئة لبنانية منهكة؟.
ولكن في حال ذهبت إيران إلى تسوية، فإن حزب الله سيجد نفسه أمام مرحلة دقيقة: سيحافظ على سلاحه، لكن تحت ضغوط أكبر لتنظيم دوره. وسيزداد الضغط الداخلي والدولي لربط سلاحه باستراتيجية دفاعية وطنية والجنوب اللبناني قد يشهد هدوءاً هشّاً مقابل استمرار التوتر السياسي.
إسرائيل
ومن جهتها إسرائيل القوة التي تخشى الاستنزاف فإنها على رغم من تفوقها العسكري، تدرك أن أي حرب إقليمية شاملة ليست نزهة، أولاً لأن جبهتها الداخلية حساسة، وثانياً لأن اقتصادها لا يتحمل حرب استنزاف طويلة. وثالثا لأن أي مواجهة مع إيران وحلفائها تعني صواريخ متعددة المصادر والاتجاهات ستتساقط عليها، ولن يكون مصدرها جبهة واحدة.
وفي حال توجيه الضربة الى ايران، تراهن تل أبيب على ان تكون هذه الضربة "سريعة ونظيفة"، لكنها تدرك أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر. أما في حال التسوية، فهي ستسعى إلى تثبيت خطوط حمر صارمة، ومنع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وتقليص نفوذ حزب الله قدر الإمكان، ولو سياسياً.
واشنطن
أما الولايات المتحدة الأميركية فهي في تصعيدها تراوح بين الردع وعدم الغرق في حرب طويلة. فهي لا تريد حرباً شاملة في الشرق الأوسط، لكنها أيضاً لا تريد الظهور بمظهر العاجز. لذلك هي تتحرك ضمن المعادلة الدقيقة الآتية: ضغط عسكري من دون التورط الكلي، واستخدام إسرائيل كذراع متقدمة، مع ضبط الإيقاع وترك باب التسوية مفتوحاً حتى اللحظة الأخيرة.
وفي حال نشوب الحرب، سيكون هدف واشنطن هو إعادة ضبط التوازن لا إسقاط النظام الإيراني. وفي حال التسوية، سيكون هدفها منع إيران من التحول إلى قوة نووية مهيمنة من دون الانخراط في حرب مكلفة.
هرب من الهزيمة
وفي الحصيلة، ترى الأوساط الديبلوماسية إياها، أن المنطقة تقف الآن أمام مفترق تاريخي، بل أمام خيارين كبيرين: حرب إقليمية محدودة تتحول استنزافاً طويلاً، لا رابح فيها، بل خاسرون متعددون. أو تسوية قسرية، لا تلبي طموحات أحد بكاملها، لكنها تمنع الانفجار الكبير.
ومن هنا فإن الولايات المتحدة الأميركية ولبنان وإيران وحزب الله، وإسرائيل، بتحركون جميعاً ليس بحثاً عن نصر مطلق، بل هرباً من هزيمة كبرى. والأرجح أن المرحلة المقبلة لن تحمل حسماً سريعاً، بل مزيجاً من التصعيد المضبوط والتسويات المؤجلة، إلى أن تفرض الوقائع على الأرض كلمتها الأخيرة. ولكن في هذا الزمن الرمادي، أخطر ما يمكن أن يحدث هو خطأ في الحسابات، لأن الخطأ هذه المرة قد لا يُصحَّح وربما يكون قاتلاً.

alafdal-news
