محمد علّوش - خاصّ الأفضل نيوز
يُعدّ ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية واحداً من أكثر الملفات إشكالية في تاريخ التعليم في لبنان، بسبب ما يحمله من أبعاد أكاديمية وحقوقية، والأهم بسبب ما أُقحم فيه على مدى سنوات من حسابات سياسية وطائفية حوّلته من استحقاق طبيعي للأساتذة إلى ورقة تجاذب عطّلت الجامعة اللبنانية وحرمت أساتذتها من حقوقهم.
في الأصل كان يفترض أن يكون التفرّغ مساراً أكاديمياً بحتاً، تحكمه معايير الكفاءة والحاجة والأقدمية، إلا أن الواقع سرعان ما انحرف عن هذا المسار، ليُربط الملف بمنطق المحاصصة والتوازنات الطائفية، تماما كما هو النظام السياسي القائم، وهذا ما أدى لأن يكون التفرغ الأخير في الجامعة قد أقر منذ 12 عاماً.
هذا الربط القسري بين التفرّغ والتقسيم الطائفي ألحق أضراراً جسيمة بالجامعة والأساتذة، فاختُلِقت أعراف غير مكتوبة جعلت من كل دفعة تفرّغ مناسبة لإعادة احتساب "الحصص" الطائفية في بلد لا تتساوى فيه الطوائف لناحية عدد السكان، بغض النظر عن معيار تعبئة النقص الأكاديمي أو دعم البحث العلمي.
النتيجة طيلة السنوات الماضية كانت شللاً شبه دائم في إقرار الملف، وتأجيلاً متكرراً لحقوق مئات الأساتذة الذين أمضوا سنوات طويلة في التعليم والإنتاج العلمي من دون أي استقرار وظيفي أو ضمانات اجتماعية، ما انعكس سلباً على أدائهم وعلى صورة الجامعة ودورها الوطني، وجودة التعليم، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، ازدادت معاناة الأساتذة المتعاقدين، إذ باتوا يؤدون دوراً محورياً في استمرار الجامعة، من دون أن يقابل ذلك أي اعتراف فعلي بحقوقهم أو استقرارهم المهني.
اليوم، يعود هذا الملف إلى الواجهة من جديد، ولكن في سياق مختلف، بعد وعد رئيس الجمهورية بإقراره. وبحسب مصادر مطلعة، فإن هناك توجهاً جدياً لإقرار ملف التفرّغ في جلسة الحكومة المقبلة، في خطوة يُراد لها أن تشكّل مخرجاً من الاشتباك السياسي والطائفي الذي رافق الملف طويلاً.
وتكشف المصادر عبر "الأفضل" أنه وفق الآلية المطروحة، سيقتصر قرار مجلس الوزراء على إقرار مرسوم يتضمن أعداد المتفرّغين الذين يصل عددهم إلى حوالي 1600 أستاذ، سيتم تفريغهم على ثلاث دفعات بثلاث سنوات بدءا من الأول من تشرين الأول المقبل، من دون الدخول في بازار الأسماء والتفاصيل التي كانت في السابق سبباً مباشراً للتعطيل.
أما مسألة الأسماء وكيفية توزيعها على مراحل التفرّغ الثلاث، فستُترك وفق المصادر لرئيس الجامعة اللبنانية ووزيرة التربية وعمداء الكليات، على أن تُعالج وفق معايير الحاجة الأكاديمية الفعلية والأقدمية. وتعتبر المصادر أن هذه الصيغة تهدف إلى فصل القرار الأكاديمي عن التدخل السياسي المباشر، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الجامعة ودورها في إدارة شؤونها، ولو جزئياً.
في حال سلك هذا المسار طريقه إلى التنفيذ، فإن إقرار ملف التفرّغ سيشكل خطوة تحمل دلالة سياسية وتربوية في آن واحد، تعيد شيئاً من الاعتبار للجامعة اللبنانية كأساس للتعليم الرسمي وكضمانة للعدالة الاجتماعية. كما يشكّل ذلك فرصة لمعالجة جزء من الظلم التاريخي الذي لحق بالأساتذة، غير أن الرهان الحقيقي يبقى في التطبيق، وفي قدرة المعنيين على الالتزام بالمعايير المعلنة وعدم تحويل الآلية الجديدة إلى نسخة معدّلة من المحاصصة القديمة.

alafdal-news
