ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
"انهياران خلال أسبوعين في طرابلس" خبر واحد الأمس كان كفيل بإعادة فتح ملف الأبنية المتصدعة في لبنان، ملف يتعامل معه المعنيون كأنه حادث عرضي لا كخطر بنيوي مزمن. قبل نحو أسبوعين انهار مبنى سكني في منطقة القبّة، أعقبه مساء أمس انهيار مبنى آخر في باب التبانة، في مشهد بات مألوفاً لمدينة تعيش فوق مخزون عمراني متعب، حيث التصدعات تُلاحظ منذ سنوات، والتحذيرات تتكرر، لكن المعالجة لا تبدأ إلا بعد وقوع الكارثة. ما جرى في طرابلس ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة انهيارات تكشف حجم الإهمال المزمن الذي يطال السلامة الإنشائية في مختلف المناطق اللبنانية.
الأرقام المتوافرة، على محدوديتها، ترسم صورة مقلقة. ففي طرابلس وحدها، تشير تقديرات بلدية المدينة إلى وجود ما يقارب 700 مبنى متصدع، بينها أكثر من 100 مبنى مصنّفاً كخطر داهم يستوجب الإخلاء الفوري. هذه الأرقام تعني عملياً أن آلاف السكان يعيشون يومياً تحت تهديد الانهيار، في مدينة تجمع بين عاملَي الفقر والاكتظاظ، ما يجعل أي قرار بالإخلاء شبه مستحيل في غياب بدائل سكنية أو خطط طوارئ اجتماعية.
لكن الخطر لا يقتصر على الشمال. في بيروت، تغيّر المشهد العمراني بشكل جذري بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، الذي لم يكن مجرد حدث دمّر واجهات ومبانٍ، بل صدمة بنيوية أثّرت في سلامة المدينة الإنشائية ككل. وفق تقديرات صادرة عن جهات دوليّة ومحليّة، تضرّر أو دُمّر نحو 9700 مبنى سكني وتجاري ضمن محيط العاصمة، فيما تأثرت أكثر من 70 ألف وحدة سكنية بدرجات متفاوتة من الضرر، من تشققات عميقة في الجدران الحاملة والأعمدة، إلى تصدعات خفية في البنى الخرسانية لا تزال آثارها تتفاعل حتى اليوم. بعد الانفجار، ارتفعت نسبة الأبنية الضعيفة إنشائياً في بيروت بشكل كبير، خصوصاً في الأحياء المحيطة بالمرفأ مثل الكرنتينا، المدوّر، الرميل، الجميزة ومار مخايل، حيث بات يُقدَّر أن ما بين 30 و45 في المئة من الأبنية المتضررة أصبحت أكثر عرضة للانهيار في حال غياب التدعيم والصيانة الجدية، لا سيما تلك التي كانت أصلاً قديمة أو تعاني من إهمال مزمن قبل عام 2020.
هذا الواقع ضاعف من حجم الأزمة التي كانت قائمة أساساً. فقبل انفجار المرفأ، كانت مسوحات هندسية تشير إلى أن أكثر من عشرة آلاف مبنى في بيروت بحاجة إلى ترميم أو تدخل إنشائي بدرجات متفاوتة، إلا أن الانفجار نقل المشكلة من خانة "الترميم الوقائي" إلى خانة "الخطر الفوري" في عدد كبير من الأحياء، في ظل غياب مسح وطني شامل يحدّد بدقة عدد المباني التي باتت غير آمنة للسكن.
وعلى المستوى الوطني، تتفاوت نسب الخطر بين المناطق وفق عمر الأبنية وطبيعة التربة ومستوى الصيانة. ففي حين تُعد بيروت من أكثر المناطق هشاشة بسبب ارتفاع نسبة المباني التي يزيد عمرها على خمسين عاماً، يبرز الشمال كمنطقة عالية الخطورة أيضاً نتيجة الفقر والإهمال وغياب الرقابة، فيما تتوزع المخاطر في الجنوب وجبل لبنان بنسب أقل نسبياً، لكنها لا تقل خطورة في القرى والبلدات التي تضم مخزوناً قديماً من الأبنية غير المدعّمة. وتبقى الإشكالية الأساسية في تضارب الأرقام وتداولها من دون مرجعية رسمية موحدة، ما يحوّل الملف إلى مادة سجالية بدلاً من أن يكون أساساً لخطة إنقاذ وطنية.
الانهيارات المتكررة تطرح سؤالاً أبعد من الأرقام: من يتحمّل مسؤولية إبقاء الناس في مبانٍ متصدعة؟ فقرارات الإخلاء، عندما تصدر، غالباً ما تُترك بلا تنفيذ فعلي بسبب غياب البدائل، فيما البلديات تفتقر إلى الإمكانات، والدولة غائبة عن دورها التخطيطي والرقابي. وفي بلد يشهد أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، تحوّل السكن الآمن إلى ترف، فيما يُطلب من المواطنين الاختيار بين خطر الانهيار وخطر التشرد.
ما حصل في طرابلس، كما ما سبق أن شهدته بيروت بعد انفجار المرفأ، يضع الملف اليوم بوضوح في عهدة الجهات المختصة، من وزارات وإدارات محلية ونقابات مهنية، لا بوصفه أزمة ظرفية، بل كخطر وطني داهم. المطلوب مسح هندسي شامل ومحدَّث، تصنيف واضح للأبنية المهددة، آليات إلزامية للتدعيم أو الإخلاء، وصندوق طوارئ اجتماعي يواكب أي قرار يُتخذ على الأرض. فلبنان لم يعد يحتمل أن يُحصي ضحاياه مبنى بعد آخر، فيما السؤال الحقيقي لم يعد كم مبنى متصدع لدينا، بل كم انهياراً إضافياً ننتظر قبل أن تتحول السلامة العامة إلى أولوية فعلية لا شعاراً بعد الكارثة.

alafdal-news
