طارق الحجيري - خاصّ الأفضل نيوز
في لبنان حيث تآكلت فكرة الدولة، وتحوّلت السياسة إلى إدارة أزمات بلا أيّ أفق إصلاحي جدّي، تفرض بعض التجارب التنموية نفسها كسؤال سياسي مرير: ماذا لو باتت التنمية فعلًا سياسيًا يوميًا لا فقرةً أو بندًا في الوعود الانتخابية والخطابات الموسمية؟.
نموذج يحتذى
في البقاع الغربي تبرز تجربة مؤسسات الغد الأفضل، كنموذج يتجاوز منطق المؤسسة الخدمية بالمفهوم اللبناني التقليدي، ليشكّل كيانًا متكاملًا أو ما يمكن تسميته مجازًا "جمهورية الغد الأفضل" قائمة على الاستثمار بالإنسان لا على استثماره انتخابيًا أو طائفيًا.
ما يميّز هذا النموذج ليس حجمه ولا انتشاره فقط، بل فلسفة تأسيسه وعناصر ديمومته واستمراريته؛ فالمقاربة هنا لا تقوم على تقديم خدمات موسمية أو مساعدات ظرفية، بل على مسار عمل متكامل، يبدأ من الطفولة يمّر بالتعليم المدرسي، ويصل إلى التعليم الجامعي والمهني. هذا الامتداد الزمني في بناء الإنسان وصقله، هو بالضبط ما فشلت فيه الدولة اللبنانية، وما تجاهلته غالبية القوى السياسية التي اختزلت التنمية المستدامة بصندوق إعانات أو وضع حجر أساس لمشروع لا يرى النور.
سياسة محاربة الفقر
في السياسة اللبنانية اعتدنا على استخدام الفقر أداة تعبئة، والحرمان كأداة ضبط، أما في هذه التجربة الرائدة في الاستثمار في الإنسان، فيجري التعامل مع الفئات المهمّشة كقيمة يجب تمكينها لا استغلالها. هنا يصبح التعليم ركيزة سياسة عامة، والصحة خيارًا سياديًا لا بندًا ثانويًا في موازنة منهارة.
القطاع الصحي مثال صارخ على هذا النجاح، فالمرفق الذي يُقدَّم كـمستوصف يعمل فعليًا كمستشفى متكامل، يوفّر خدمات طبية متقدمة في منطقة تعاني تاريخيًا من ضعف البنية الصحية وارتفاع فاتورة الاستشفاء والطبابة. في منطقة انسحبت فيها الدولة من واجباتها، تتحوّل هكذا مبادرات إلى بدائل واقعية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا مقلقًا، هل نحن أمام سدٍّ للفراغ أم تكريسٍ له؟
السياسة في جوهرها، ليست فقط صراعًا على السلطة والوصول إليها، بل قرار بكيفية إدارة المجتمع، كيف نَحكُم لا من يحكم. ومن هذه الزاوية تقدم "جمهورية الغد الأفضل" نموذجًا سياسيًا رائدًا يقوم على التنمية بدل الزبائنية، وعلى التخطيط بدل الارتجال، وعلى بناء الإنسان بدل استهلاكه كرقم في مواسم الانتخابات.
الإشكالية هنا لا تكمن في النموذج نفسه، بل في كونه استثناء. فهل يُكتب لمثل هذه التجارب أن تبقى جُزرًا معزولة في بحر الانهيار، أم تتحوّل إلى معيار يُقاس عليه الأداء السياسي والإنمائي في المناطق اللبنانية، وخصوصًا تلك التي تُركت طويلًا على هامش الدولة كالبقاع والشمال.
السياسة أم التنمية
غير أن هذا النموذج على أهميته، يفتح نقاشًا أوسع حول علاقة التنمية بالسياسة. يبرز سؤال أخلاقي يتجاوز الاصطفافات التقليدية. فالسياسة بطبيعتها مساحة اختلاف، فربما تتفق في المواقف السياسية من قائد هذا المشروع النائب والوزير حسن مراد، أو تختلف معه أو مع أي شخصية عامة أخرى، وهذا حق مشروع في الحياة العامة.
لكن حين يتحوّل المشروع إلى مؤسسات قائمة، وخدمات ملموسة، ومسار مستدام في بناء الإنسان، يخرج من دائرة الخطاب إلى حقل الوقائع. عندها يصبح السؤال أبعد من الاتفاق أو الاختلاف السياسي، فهل يجوز إنكار أثر تنموي واضح لأنه مرتبط بخيار سياسي معيّن، أم أن المعيار الأجدر هو ما يقدّمه هذا العمل من نفعٍ فعلي للناس؟
هنا تناقش تجربة "جمهورية الغد الأفضل" بنتائجها لا بانتماءاتها، وبأثرها الاجتماعي قبل خلفياتها السياسية. ففي بلدٍ أنهكته الوعود، يجب أن يكون الحكم على المشاريع بميزان ما تقدمه للناس، لا بما ترفعه من شعارات، العمل وصناعة الأمل هما المدخل الوحيد المتبقّي إلى غدٍ أفضل فعليًا، لا خطابيًا.

alafdal-news
