طارق ترشيشي-خاصّ الأفضل نيوز
اللقاء السابع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن مجرد محطة بروتوكولية في مسار العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب، بل جاء في مرحلة حساسة يتقاطع فيها مساران: جولة تفاوض أميركية ـ إيرانية انطلقت من مسقط، وحراك إيراني داخلي وخارجي تقوده شخصيات وازنة في بنية القرار، من بينها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وصولاً إلى مواقف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي التي ترسم السقف الاستراتيجي.
بعد لقائه بنتنياهو غرّد ترامب عبر منصته أن الاجتماع "كان جيداً للغاية"، وأن "الخيار المفضل" لديه هو التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكنه في الوقت نفسه لم يتردد في التذكير بأن البديل العسكري وارد، مستعيداً تعبير "مطرقة منتصف الليل" في إشارة إلى الضربة السابقة التي وجهها إلى إيران في حرب الـ 12يوما الشهيرة العام الماضي ؛ فالصيغة التي اعتمدها الرئيس الأميركي بدت محسوبة: يد ممدودة للتفاوض، وأخرى قابضة على الزناد.
وهذا الخطاب المزدوج لا ينفصل عن رغبة ترامب في تسجيل إنجاز تفاوضي يمكن تسويقه داخلياً كـ"اتفاق أقوى" من الاتفاق النووي السابق، من دون أن يظهر في مظهر المتساهل. وهو في الوقت نفسه يطمئن إسرائيل إلى أن الخيار العسكري لم يُشطب من حسابه في التعامل مع ايران.
من جهته، شدد نتنياهو على أن أي اتفاق يجب أن يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وأن يكون مفتوحاً "بلا تاريخ انتهاء"، في إشارة واضحة إلى رفضه أي صيغة تعيد إنتاج بنود زمنية كالتي تضمنها اتفاق عام 2015 أيام الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما . لكن التسريبات الإسرائيلية ذهبت إلى أبعد، مؤكدة أن خيار ضرب إيران لم يُستبعد، وأن تل أبيب تريد الحفاظ على حرية التحرك حتى لو قررت واشنطن عدم الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع إيران في هذه المرحلة.
فالمطالب التي قيل إن نتنياهو عرضها على ترامب خلال لقائهما عكست رؤية إسرائيلية شاملة: إدراج البرنامج الصاروخي، والأذرع الإقليمية، ونقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، بل وحتى تأجيل الاتفاق في انتظار إضعاف النظام الإيراني تدريجياً، وهذه المقاربة تعني عملياً أن إسرائيل لا ترى في التفاوض هدفاً في حد ذاته، بل أداة لإعادة صوغ التوازن الاستراتيجي مع إيران.
وفي المقابل، لم تكن طهران غائبة عن المشهد، بل سبقت اللقاء بين ترامب ونتياهو بحراك سياسي وأمني يعكس وحدة نسبية في الخطاب، وإن اختلفت نبراته؛ فأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني كثّف تحركاته واتصالاته الإقليمية، مؤكداً أن إيران "لا تسعى إلى سلاح نووي"، لكنها لن تقبل بتنازلات تمس "حقوقها المشروعة" في تخصيب اليورانيوم. وركزت رسائله على أن الأمن الإقليمي لا يتحقق بالتهديد، بل بالتفاهمات المتوازنة، في إشارة إلى رفض إدراج ملفات الصواريخ البالستية والنفوذ الإقليمي لإيران ضمن أي صفقة نووية مع الولايات المتحدة الاميركية.
أما وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي الذي يقود المسار التفاوضي لبلاده فقد حرص على التأكيد أن المفاوضات في سلطنة عُمان كانت "جدية ومهنية"، وأن إيران مستعدة لعقد اتفاق مع واشنطن يضمن رفعاً فعلياً للعقوبات عن بلاده مقابل التزامات نووية قابلة للتحقق. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن طهران لن تفاوض تحت الضغط، ولن تقبل باتفاق مؤقت لا يحقق مكاسب اقتصادية ملموسة.
أما المرشد خامنئي، الذي يحدد الخطوط الحمر، فقد حافظ على معادلته المعهودة: التشكيك في نيات واشنطن، مع ترك الباب موارباً أمام التفاوض. وكرر أن “التجربة أثبتت أن الأميركيين لا يُوثق بهم”، في إشارة إلى انسحاب واشنطن السابق من الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015، لكنه لم يمنع الحكومة الإيرانية من اختبار المسار الديبلوماسي، ما دام يحفظ "عزة البلاد ومصالحها".
وهذه المعادلة تعني أن طهران تفاوض من موقع الحذر، لا من موقع الاندفاع. وهي تراهن على عامل الوقت، وعلى إدراك واشنطن أن البديل من التفاهم هو تصعيد قد يخرج عن السيطرة.
على أنه في ضوء المواقف المعلنة، تظهر فجوة واضحة بين المقاربة الأميركية والإسرائيلية؛ فواشنطن تبدو معنية أولاً بضبط البرنامج النووي ومنع إيران من بلوغ العتبة، حتى لو تم ذلك عبر اتفاق مرحلي أو معدل.
أما إسرائيل فترى أن أي اتفاقًا لا يشمل الصواريخ البالستية وما تسميه "الأذرع" الإقليمية سيمنح إيران موارد إضافية تعزز نفوذها.
ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على إبقاء الخيار العسكري قائماً، بل والحديث عن التحرك منفردة ضد إيران إذا اقتضى الأمر. غير أن قدرة تل أبيب على تنفيذ ضربة واسعة بلا غطاء أميركي تبقى موضع نقاش، نظراً للتداعيات الإقليمية واحتمال اتساع رقعة المواجهة.
والسؤال المطروح في هذا السياق هو: هل ترامب جاد في التوصل إلى اتفاقمع ايران؟
المؤشرات تدل على أنه يفضل الاتفاق، لكن بشروط تضمن له مكسباً سياسياً واضحاً. فهو يدرك أن حرباً جديدة في الشرق الأوسط ستكون مكلفة، وأن الأسواق والطاقة والداخل الأميركي كلها أمورلا تحتمل مغامرة مفتوحة. لذلك يبدو التهديد العسكري جزءاً من أدوات الضغط لا مقدمة حتمية لقرار حرب.
غير أن جدية ترامب تصطدم بعقبتين هما: الشروط الإسرائيلية المرتفعة السقف، والخطوط الحمر الإيرانية الرافضة لتوسيع التفاوض إلى ملفات تعتبرها سيادية.
ولذلك، فإن السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة هي ثلاثة، بحسب قول أوساط ديبلوماسية تابعت وقائع لقاء ترامب -نتنياهو لموقع "الأفضل نيوز": السيناريو الأول: التوصل إلى اتفاق محدود أو مرحلي يركز على التخصيب والرقابة ورفع تدريجي للعقوبات، مع تأجيل القضايا الأخرى. وهذا السيناريو هو الأكثر واقعية، وإن كان سيواجه انتقادات إسرائيلية.
السسيناريو الثاني: تعثر المفاوضات وحصول وتصعيد مضبوط ويتمثل بفرض عقوبات إضافية على إيران، وربما توجيه ضربات موضعية أو عمليات أمنية سرية، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
السيناريو الثالث، حصول انهيار شامل في المفاوضات والدخول في مواجهة واسعة، وهذا احتمال قائم لكنه الأقل ترجيحاً حالياً، نظرا لارتفاع كلفته على جميع الأطراف.
يبقى أن لقاء ترامب ونتنياهو لم يحسم مسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية ومصيرها، لكنه أظهر أن المنطقة تقف عند مفترق حساس. فواشنطن تلوّح بالقوة لتسهيل الصفقة، وتل أبيب تلوّح بالقوة لتعقيدها أو رفع سقفها، فيما تمارس طهران ديبلوماسية حذرة تستند إلى خطاب سيادي وتوازن بين الانفتاح والشك. وفي هذه المساحة الرمادية، تتقدم المفاوضات خطوة وتتراجع أخرى. والمرجح أن الأسابيع المقبلة لن تحمل حلاً نهائياً، بل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الأطراف المعنية على ترجمة الرسائل المتبادلة إلى تفاهم أو اتفاق… أو الانزلاق إلى جولة جديدة من لعبة حافة الهاوية التي من شأنها أن تترك تداعيات خطيرة على المنطقة برمتها.

alafdal-news
