طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
في مرحلة إقليمية بالغة الهشاشة، تتأرجح العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بين مسارين متناقضين: رغبة معلنة في إحياء مسار تفاوضي يقيّد البرنامج النووي الإيراني بموجب اتفاق، مقابل تصعيد لفظي وعسكري يشي بأن المنطقة تقف على حافة مواجهة قد تتدحرج سريعاً خارج السيطرة. وبين العصا الأميركية والردع الإيراني، يقف الموقف الإسرائيلي عنصراً ضاغطاً يرفض أي تسوية لا تُنهي كلياً ما تعتبره تل أبيب "الخطر الوجودي" الايراني الذي تعتبرانه يتهددها.
منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني 2025، استعادت السياسة الأميركية تجاه طهران نبرة "الضغط الأقصى"، مقرونة بمهل زمنية قصيرة وتحذيرات من "عواقب وخيمة" في حال فشل الديبلوماسية في التوصل إلى اتفاق. واشنطن تؤكد أن هدفها منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وأن الديبلوماسية تبقى الخيار الأول، لكن التحشيد وتعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يبعث برسالة موازية الى إيران مفادها أن الخيار العسكري ليس مستبعدًا.
الإدارة الأميركية تدرك أن أي ضربة واسعة قد تشعل الإقليم بأسره، غير أنها تراهن على أن التهديد الجدي قد يدفع طهران إلى تنازلات نووية إضافية، سواء عبر خفض نسب التخصيب أو توسيع نطاق التفتيش الدولي، في صيغة تشبه، ولو جزئيًا، ما نص عليه اتفاق عام 2015 أيام الرئيس الاميركي السابق بارك اوباما.
في المقابل، تكرر إيران أنها لا تسعى إلى مواجهة، لكنها لن تتفاوض “تحت التهديد”. القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي، تربط أي اتفاق برفع ملموس للعقوبات وضمانات بعدم الانسحاب الأميركي مجدداً من أي تفاهم جديد، في إشارة إلى تجربة الانسحاب من الاتفاق النووي السابق.
وتحرص طهران على إظهار جاهزيتها العسكرية، ملوّحة بإمكانية الرد على أي هجوم يستهدف أراضيها أو منشآتها، سواء مباشرة أو عبر حلفائها في الإقليم. هذه المعادلة القائمة على مقولة "لا نبدأ الحرب لكننا لا نخافها" تهدف إلى تثبيت توازن ردع يمنع واشنطن من الذهاب بعيداً في الخيار العسكري.
لكن العامل الأكثر حساسية في المعادلة يبقى الموقف الإسرائيلي. فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يخفي معارضته لأي اتفاق لا يشمل وقفًا كاملًا لتخصيب اليورانيوم، وتفكيكاً جوهرياً للبنية النووية الإيرانية، إضافة إلى معالجة برنامج الصواريخ الباليستية ودعم طهران لفصائل مسلحة في المنطقة.
من وجهة نظر تل أبيب، أي اتفاق يجمّد البرنامج النووي دون تفكيكه بكامله يمنح إيران وقتاً وشرعية دولية، ويُبقي "الخطر" قائماً على المدى المتوسط. لذلك تضغط إسرائيل في اتجاه تشديد الشروط، ولو أدى ذلك إلى إفشال مسار تفاوضي لا يلبّي سقفها المرتفع.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو السيناريوهات المحتملة محصورة في أربعة مسارات رئيسية:
ـ الاول، اتفاق مشروط ومحدود يقضي بخفض نسب التخصيب وتوسيع الرقابة الدولية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات. هذا السيناريو يحقق مكسبًا مرحليًا لواشنطن وطهران، لكنه سيصطدم بتحفظات إسرائيلية حادة.
ـ الثاني، تهدئة مؤقتة بلا اتفاق شامل في ظل استمرار المفاوضات مع تجميد التصعيد، وإبقاء التهديد العسكري في الخلفية كأداة ضغط، دون حسم نهائي للملف.
ـ الثالث ضربة عسكرية محدودة تستهدف منشآت أو مواقع عسكرية إيرانية، بهدف إعادة رسم خطوط حمراء. غير أن هذا الخيار يحمل خطر ردود إيرانية قد تطال قواعد أميركية أو أهدافًا إسرائيلية، ما يفتح الباب أمام تصعيد متبادل.
ـ الرابع انزلاق إلى مواجهة أوسع وهو السيناريو الأقل رغبة والأعلى كلفة، حيث تتوسع الضربات والردود لتشمل ساحات إقليمية متعددة، بما يهدد استقرار الخليج وشرق المتوسط.
على أن المفارقة هنا هي أن جميع الأطراف تعلن أنها لا تريد الحرب، لكنها في الوقت نفسه تلوّح بها. واشنطن تسعى إلى اتفاق "أقوى وأطول"، طهران تطالب بضمانات ورفع فعلي للعقوبات، وإسرائيل ترفض تسوية لا تُنهي المشروع النووي الإيراني كلياً. وبين هذه السقوف المتباعدة، تقف المنطقة على مفترق طرق حاسم.
ولذا فإن الأسابيع المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الديبلوماسية على الصمود أمام منطق القوة. فإما أن ينجح الطرفان في تحويل التهديد إلى ورقة ضغط تفاوضي تفضي إلى تسوية، أو أن يتحول التصعيد الكلامي إلى شرارة تشعل مواجهة لا يريدها أحد، لكنها قد تندلع بفعل حسابات خاطئة أو ضغوط داخلية متزايدة. ولكن في شرق أوسط مثقل بالأزمات، يبقى السؤال مفتوحا: هل يغلب منطق الصفقة… أم منطق الصدام؟

alafdal-news



