متى تدرك أنك نضجت، ولو قليلاً؟ ربما حين تحاصرك العناوين الصحافية المؤججة للعواطف، والمقابلات المقطّعة لنياط القلب، فتجد نفسك تسلك طريقاً وسطاً، وتأبى توجيه إصبع الاتهام الى طرف محدد.
معركة محزنة، أبطالها الظروف وضحاياها الأطفال، تندلع بين الخدمات الاجتماعية السويدية، أو "السوسيال"، وبين اللاجئين السوريين إثر حالات متزايدة لسحب أطفالهم.
للأمانة، فحينما سمعت بالأزمة للوهلة الأولى، تخيلت نفسي أنحاز كلياً ضد "السوسيال". للسويد سجل مخزٍ في التعامل مع الحقوق الإنجابية للأقليات، إذ نظمت بين 1935 و1976 برنامجاً مُستلهماً من "علم تحسين النسل"، وقامت بتعقيم 60 ألف امرأة غجرية إجبارياً.
ولكن إن كان ماضي الاسكندينافيين يندى له الجبين، فحاضر بعض الضيوف العرب، في السويد وغيرها، لا يقل سوءاً. واقعياً، لقد فوجئوا بأن لا موطئ قدم هناك لثقافتنا التي تسوّغ تعنيف الأبناء باسم التأديب، وتجيز امتهان كرامتهم، والتصرف بهم كالممتلكات.
يُصدم المرء منهم بأنه لا يستطيع ضرب ابنه علناً كالبهيمة في أحد المطاعم من دون تدخل السلطات، كما حدث لأب سوري في برلين، علماً أن ضرب البهائم أيضاً ليس مقبولاً عندهم. ويُصعق آخر بأن المدرسة تتفطن إلى مظاهر الإهمال الشديدة في نظافة أبنائها وهندامهم، وهو العامل الذي كان مدخلاً للتحقيق مع أبناء اللاجئ دياب طلال في شمال السويد.
ويستغرب ثالث أنه ممنوع من إكراه ابنته على الحجاب، وجلد ابنه على الصلاة. وها هو أب مهاجر يستنكر عجزه عن التحكّم في ابنته، ومعاقبة تطلعها الى الحرية، فيقول صراحة: "لو كنا في سوريا ما كان لابنتي أن تتمرد على أسرتها، وعادات بلدها وتقاليده".
بل حتى العدوان النفسي ضد الطفل مجرّم عندهم، وسبق أن شغّلت "السوسيال" مقطعاً مصوراً خلال محاكمة أب عربي لاجئ لتفضح تهديده طفله الباكي بأخذه "إلى منزل تملأه الجرذان".
بالطبع، لا ننزه "السوسيال". فعلى الرغم من تقيّدها بالتحذير المتكرر للوالدين، إلا أن من المآخذ البارزة عليها تزمتها الشديد في تنفيذ إجراءاتها، إذ ينتهي بها المطاف تُبعد نحو 20 ألف طفل سنوياً عن ذويهم، وهو رقم خطير.
ولكن بالمثل، لا يجد المُنصف ما يحاول العرب الترويج له عن "مؤامرة سويدية" لاختطاف أبناء اللاجئين السوريين، واستهداف متعمد لهم، وكأنما تراقب "السوسيال" الكدمات على أجسادهم من دون سواهم.
والأرقام والاحصاءات تشهد. ففي 2010، أي قبل حتى اندلاع التظاهرات في درعا، كانت "السوسيال" قد أبعدت 17 ألف طفل، ما ينفي نظرية تشكيل اللاجئين السوريين غالبية المتضررين من سياساتها، حتى ولو أصبحوا يشكّلون نسبة ملحوظة.
ولأني ما زلت أرفض شيطنة أي طرف في هذه التراجيديا، فعلينا الاعتراف بأن أولئك الآباء والأمهات ضحايا بدورهم: لثقافتهم التربوية البائدة، ولماضيهم المروع القريب. ماذا كان "السوسيال" -بمثالياته الفارغة- يتوقع حين يتعذّب 1 من كل 3 لاجئين في السويد بالاكتئاب والقلق وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة؟

alafdal-news
