العنود المهيري- النهار العربي
نظن أنه حين تضرب الكارثة البيئية كوكبنا، فإنها لن تنظر إلى أجناسنا وأعراقنا، وستسحقنا جميعاً بالتساوي. ولكن مع الخطوات الحثيثة التي يمشيها التغيّر المناخي نحونا، خصوصاً نحو عالمنا العربي، يتبيّن أن النساء سيحظين بنصيب الأسد.
إنها بقعة مثيرة للاهتمام يتقاطع فيها النضالان النسوي والإيكولوجي، وتصطدم فيها المرأة العربية ببوادر مستقبل مرعب ستتداخل فيه الاعتبارات الاجتماعية مع الظروف البيئية.
لن ينجو الرجال من الكارثة المحققة، طبعاً. إلا أن الحاضر، على الأقل، يفضح تمتعهم بأفضلية ملحوظة أمام التغيّر المناخي.
لننظر إلى أقاصي غربنا العربي، حيث تشكّل الصحراء 90 في المئة من موريتانيا. يزيد التغيّر المناخي من حدة الجفاف، فتنضب الآبار والعيون، ويُفرض على النساء المشي لمسافات أبعد، وتحت الحرارة الجهنمية، للبحث عن مصادر جديدة للمياه. ويندر أن يقل طول الرحلة عن ساعة، بل يُقدّر أن الأفريقيات يقضين ربع أعمارهن في هذه الرحلات!
وتطل الأعراف برأسها القبيح حين ندرك أن الموريتانيين منقسمون لفئتين: البيضان، أو العرب، والحراطين، أو أحفاد "العبيد السود".
يثقل وزر العطش على المرأة لأن فئة ضخمة من المجتمع تتمثل في الرجال البيضان، أو أحفاد الأحرار، يعيبون ويستنكرون المشاركة في جلب المياه، فيُلقى بحمل النجاة بأكمله على عواتق النساء.
وبينما يبدو على النقيض تماماً أن نساء الأهوار في العراق محاطات بكميات غير محدودة من المياه، فإن التغيّر المناخي بات يهددهن أيضاً.
إن الجواميس، تلك الحيوانات التي يعتاش منها سكان الأهوار، وتراها تسبح بجانب "مشاحيفهم"، أو قواربهم الخشبية، شديدة التأثر بحالة المياه. يرفع التغيّر المناخي درجة حرارة الماء ويجففه، فتُلزم الجواميس مربيها بالبحث عن مصادر أخرى لشربها.
وبينما يفر رجال الأهوار عند الجفاف إلى المدن بحثاً عن الوظائف، فتلك "رفاهية" لا تتوافر لنساء المجتمع المحافظ، فيكبّلن قسراً بمهمة البقاء لإنقاذ الجواميس، وحفظ أسلوب حياة الأهواريين منذ آلاف السنين.
وللتأكيد على أن النساء العربيات سواء في تكبّد عواقب التغيّر المناخي المتشربك بالعادات والتقاليد، فإننا سنجد سيناريو مشابهاً في فلسطين.
ففي غزة الصمود تحديداً، تفتك مشاكل عدة بالمحاصيل بسبب التغيّر المناخي، بدءاً من الآفات وانتهاء بالسيول. إنها تكملة للوضع المزري الذي يعانيه سكّان القطاع.
تتضاعف تحديات الزراعة في ظل التغيّر المناخي، ويتضاعف كدح الغزاويات لنجدة المحاصيل، خصوصاً الفراولة المُلقبّة بـ"الذهب الأحمر"، ولكنه يبقى، حتى مع تنامي مشاقه، عملاً مجانياً لدعم آبائهن وأزواجهن، فنسبة ملكيتهن للمزارع ضئيلة للغاية.
والأدهى أنهن لا يعفين، على رغم متاعبهن، من كل عملهن المجاني في بيوتهن.
وترسيخاً للنظرة المجتمعية الدونية لهن على رغم جهودهن ضد التغيّر المناخي، فإن الكثير من ملّاك المزارع يفضّلون صراحة توظيف الرجال عليهن مع وصول نسبة البطالة إلى 52 في المئة.
سنقترف خطأ مدمراً كنسويات عربيات إذا تغاضينا عن التغيّر المناخي، فهو آتٍ بدوره لاضطهادنا، وببطء حلزوني شديد.

alafdal-news
