ماكرون مستمرٌّ في "تسويته" المفترضة...
وبعضُ الداخل يواجه الخارج
رضوان عقيل
لم تعد فرنسا من رئيسها إيمانويل ماكرون إلى الحلقة الرئاسية في الإليزيه التي تتابع الملفَّ اللبنانيَّ في حاجة إلى إثبات بذلها كل المساعي لتسويق انتخاب الوزير السابق سليمان فرنجية الذي لم يلقَ ترشيحه قبولاً عند أكثر من كتلة نيابية، فضلاً عن عدم حصوله على الدعم الخارجي الكافي من عاصمتين مؤثّرتين حتى الآن هما الرياض وواشنطن ولو مع تمايز ملحوظ بين العاصمتين وإن لم تعلن أيٌّ منهما رسمياً أنها تعارض وصول رئيس "تيار المردة" إلى سدة الرئاسة، وهو سيطل مساء اليوم على قناة "الجديد" ليشرح حقيقة موقفه من ترشحه على أكثر من محور، وسيقدم في إطلالته هذه خريطة برنامج ويرد على جملة من الأسئلة التي ستكون محل تحليل في أكثر من مختبر سياسي في الداخل والخارج. وتعبّر الجهات المؤيدة لفرنجية عن انزعاجها الشديد من محاولات الأطراف المناوئة له في الداخل والتي تنشط على خط التشويش على الاستحقاق في الخارج وعدم الاستفادة من التقارب الحاصل في المنطقة، ولاسيما بين السعودية وإيران. ويتردد أنه رغم انشغالات الرئيس ماكرون بالملفات المحلية في بلاده ومتابعته مسار الحرب الدائرة في أوكرانيا وأكثر من بلد في إفريقيا، لا يزال يعطي مساحة كبيرة من اهتماماته للانتخابات الرئاسية اللبنانية وتشعباتها المعقدة حيث تعمل خليته الرئاسية بقوة على خط إنجاح فرنجية ولو لم تستطع بعد إحداث التبدل المطلوب في الموقف السعودي. وينقل عن ماكرون بحسب مصادر مواكبة أن "التسوية الرئاسية قابلة للتطبيق وعلى اللبنانيين أن يصبروا قليلاً، ولن نترك هذا البلد الصديق ولن نكفّ عن مساعدته".
وفي وقت تنشط باريس على خطوط تأمين الرعاية المطلوبة لفرنجية، لا تقصر الكتل النيابية الرافضة له في وضع العراقيل أمامه في السر والعلن حيث يمارس بعضهم حملة ضد نائب زغرتا سابقا، وهذا ما ينشط على فعله في واشنطن ولدى قنوات ديبلوماسية أخرى. وينقل نواب التقوا مسؤولين أميركيين في الادارة والكونغرس أنهم لا يرحبون بالمقاربة التي تقودها فرنسا "وهي دولة سيادية لا نتدخل في شؤون سياساتها" حيال انتخابات الرئاسة ولم تعمل (واشنطن) على تزكية اسم مرشح على حساب آخر.
وثمة نواب نبهوا مساعدة وزير الخارجية الأميركي باربرا ليف والفريق المعاون لها بأن لا تحصل أي تسوية على حساب نواب المعارضة في البرلمان وعدم الاتيان برئيس "طبعة ثانية" من الرئيس السابق ميشال عون. وتخلص مصادر نيابية إلى القول إنَّ واشنطن لا تؤيد الفرنسيين في المسعى الرئاسي الذي يعملون عليه.
وتشدد الإدارة الأميركية على "احترام السيادة اللبنانية، ونحن لن ندعم أحداً"، وأنَّ على أفرقاء المعارضة النيابية - والآخرين ايضاً - أن يعملوا على توحيد صفوفهم والتوجه إلى البرلمان عند دعوة الرئيس نبيه بري إلى جلسة انتخاب رئاسية ولتمارس بالفعل الديموقراطية المطلوبة في انجاز الاستحقاق الرئاسي.
ويحسم نواب أنَّ واشنطن "غير مرتاحة" لأداء باريس حيال تعاطيها مع استحقاق الرئاسة وتأييدها لفرنجية رغم وجود معارضة مسيحية "ولن نقبل في نهاية المطاف بمرشح من محور الممانعة".
ولم يخفِ أكثر من مسؤول أميركي "حالة القرف" من أداء السياسيين اللبنانيين و"المفاجأة" من مقاربة فرنسا في تعاطيها مع الاستحقاق الرئاسي. ولم يمنع هذا الموقف مسؤولا أميركيًّا ينشط في إحدى الدوائر من توجيه جملة من الملاحظات على أداء الفرنسيين وكيف أنهم ساروا على مدار السنوات الأخيرة مع السنّة من دون ترك المسيحيين، وكيف أنهم اليوم يعمدون إلى تلبية المطالب السياسية عند الشيعة. وتعبّر واشنطن في الوقت نفسه عن عتبها على المعارضة المسيحية أولاً غير القادرة حتى الآن على بلورة مرشح والسير بترشيحه. في غضون ذلك يجري الحديث عن حلف ثلاثي مسيحي غير منتظم على رؤية رئاسية واحدة تعارض فرنجية، ويتمثل في "القوات اللبنانية" وحزب الكتائب حيث يتلاقى الطرفان مع "التيار الوطني الحر" على رفض انتخاب فرنجية، ولكن يصعب على هذا الثلاثي أن يجمع على اسم واحد يخوض من خلاله الانتخابات ولو تحت مظلة بكركي على عكس الحلف الثلاثي عام 1970 الذي جاء بسليمان فرنجية الجد رئيساً للجمهورية مدعوما من أقطاب الموارنة آنذاك: كميل شمعون وبيار الجميل وريمون اده، حيث كان كل واحد منهم يرنو إلى الرئاسة الاولى، لكن الحظ كان من نصيب زغرتا، مع التذكير بأنَّ النائب والرئيس الراحل رينه معوض لم يقترع لفرنجية انطلاقاً من موقعه في الشهابية.
من جهة أخرى، لم يفت أكثر من مسؤول في الديبلوماسية الأميركية تذكير زوار لبنانيين يقصدون واشنطن بكثرة في الأسابيع الأخيرة بعدم التعويل على الاتفاق السعودي - الايراني حيث لن تكون له "ارتدادات" على الملف الرئاسي. ويأتي هذا الموقف قبيل وصول وزير الخارجية الايراني حسين أمير عبد اللهيان إلى بيروت الأسبوع الجاري، حيث لن يغيب الملف الرئاسي بالطبع وسؤاله ما اذا كان قد بحث في هذا الموضوع مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان. وكان نواب لبنانيون قد طلبوا في لقاءاتهم الاخيرة مع مسؤولين أميركيين وأعضاء في الكونغرس أن يواكبوا الانتخابات الرئاسية على غرار ما فعلوه في ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل في الجنوب، من دون أن يفرضوا بالطبع مرشحاً على اللبنانيين، في وقت لا تقصّر واشنطن في توجيه الدعوات إلى تطبيق الديموقراطية، مع التشديد النيابي اللبناني على إبلاغ الأميركيين بضرورة الالتفات إلى كابوس هذا الكم من النازحين السوريين على الأراضي اللبنانية الذين سيحتلون صدارة برنامج أي رئيس سيصل إلى قصر بعبدا إذا قُدر انتخاب رئيسٍ لبلاد حبلى بالأزمات.

alafdal-news
