هالة جعفر- خاص الأفضل نيوز
الفن بجميع جوانبه هو وسيلة تعبيرية جوهرية تهدف إلى النهوض بالمجتمع من حيث تقديم الرسائل السامية التي تثير قضايا توعوية يعاني منها المجتمع من خلال تجسيدها في فيلم أو مسلسل أو التعبير عنها في رسم أو أغنية. إن مفهوم الفن غير مشروط بقواعد نظرية محددة ومسيجة. بل هو المكان الوحيد الذي يمكن للفرد من خلاله التعبير عن أفكاره بحرية من خلال العرض الفني. إنها قيمة حضارية تتكون من مبدعين مثقفين قادرين على رفع الذوق العام من خلال مهارة اكتسبوها بالفطرة لإنتاج قيم فنية ترفع الثقافة الإنسانية والمجتمع والوطن. لكن إنفتاح المجتمعات على بعضها البعض شكل حالة من دمج بعض الأفكار التي لا تتناسب مع مجتمعاتنا العربية، بل ساهمت في تغيير كثير من مفاهيمها الأخلاقية من خلال ما يتضمنه محتوى هذه الرسائل التي بدأنا نلاحظ آثارها الجانبية مؤخراً. من خلال ما نشهده في ما يقدم في المسلسلات والأغاني، مما جعلنا نتأكد من أن تدني المستوى الذي يقدمونه على هيئة فن ما هو إلا تراجع في الذوق العام بسبب ما يراه المشاهد أو يتلقاه المستمع، فإن إحتلال تلك الساحات لنوعية معينة من الأغاني الضاربة وعلى وجه الخصوص في النوادي الليلية الذي يبرز فيه فنانين دخلاء على الفن، يهتمون بما قد يكسبونه من الناحية المادية دون الإهتمام أو الإلتفات إلى المحتوى الهابط الذي قد يؤثر على أجيالنا فيما قد يكسبونه من هذا الفن المخزي الذي بات يقدمه العديد من الفنانين الهرطقيين مؤخراً.
في ظل تردي الأوضاع المعيشية والإقتصادية، فلا عجب أننا نشهد تردياً واضحاً من الناحية الفنية أيضاً، في ظل غياب الدولة عن الأمور التي تهم المواطن أكثر من غيرها، لن نراها في الأمور التي ترفهه على وجه اليقين. لم يعد من المستغرب أن نرى صدى واسعاً في أوساط الجمهور المحبطين من هموم الحياة، وخاصة الفئة العمرية التي أنهت دراستها الجامعية ومقبلة على فرص عمل باتت مفقودة، من الإقبال الهائل على العروض الغنائية الخالية من أي أداء رصين أو كلمات تحتوي على إبداع لغوي أو لحن موسيقي مهذب. الفنانون الأكثر شهرة اليوم هم الفنانون الذين يقدمون فناً هابطاً صارخاً بأداء كلماتٍ ساذجة وبعضها خادج للحياء. المستمع اليوم يتلقى هذا الإسفاف دون أن يطلب، فوسائل النقل مثلاً لا تخلو من هذه الأغاني. لديك نصف ساعة تكفي لحفظ أغنية زقاقية من خلال مشوار طويل إلى عملك أو جامعتك. كما أنه لديك أكثر من أربع ساعات كفيلة أيضاً لحفظ جميع الأغاني الهابطة الترند في حفل زفاف أحد الأقارب أو أحد الأصدقاء!! كما أنه يلقى بعضهم طلباً كبيراً من المستمعين، حيث يلجأ الكثيرون إلى هذا النوع من الأغاني التي تعبر عن نفس مستوى التدهور الذي يعانون منه.
لكن هذه الموجة ليست سوى موجة بهلوانية تغزو مجتمعاتنا فنياً من بعض الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالفن، بل هم عالة عليه. إنهم يمثلون خرقاً واضحاً من خلال كسر أي صقل على المستوى الفني أمام جيل لم يحالفه الحظ في مواكبة الفن الأصيل، بل بمواكبة هذا النموذج الفني الرخيص الذي لا يمتلك أي من المقومات الفنية الحقيقية. هذه التغيرات الدرامتيكية ما هي إلا تأثير كارثي على سلوك مجتمع غاب فيه الفنانون والشعراء الذين يتمتعون بقيم فنية عالية وقيم سامية، في ظل الغياب المتعمد لكل من لديه القدرة على بناء وطن متحضر ومتطور في كافة المجالات.

alafdal-news
