نادر عجمي -الميادين نت
هل تهديد وجود روسيا يسمح لها باستخدام السلاح النووي؟ يعيدنا السؤال إلى فتوى صادرة عن محكمة العدل الدولية، قد يكون ميدفيديف استند إليها في تصريحه.
خلال منتدى الدوحة، الذي جمع عدداً كبيراً من قادة العالم، تحت عنوان "التحوّل إلى عصر جديد"، صرح دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، بـ"أنه توجد عدة حالات تملك خلالها روسيا حق استخدام الأسلحة النووية"، وقال: "سنستخدم أسلحة نووية إذا تعرَّضنا لهجوم نووي، أو إذا تعرَّضنا لعمل يهدد وجودنا حتى من دون استخدام أسلحة نووية ضدنا". وأضاف "تم سرد كل هذه الحالات في وثيقة خاصة بذلك، وهذا يدل على عزم الدولة على الدفاع عن سيادتها".
وبالتالي، نطرح السؤال: على أي حالات يتكلم ميدفيديف، وأي وثيقة يقصد؟
في الـ8 حزيران/يونيو 1996، وافقت محكمة العدل الدولية على طلب الجمعية العامة في الأمم المتحدة، استناداً إلى مشروع قرار تقدمت به إندونيسيا إلى الجمعية، نيابةً عن مجموعة دول عدم الانحياز، بخصوص "مشروعية التهديد واستخدام السلاح النووي"، وردت على سؤال يُعَدّ من الاسئلة الإشكالية التي ما زالت مطروحة لغاية اليوم، وهو: هل التهديد بالأسلحة النووية، أو استخدامها في أي ظرف من الظروف، يكون مسموحاً به بموجب القانون الدولي؟.
بحثت المحكمة حينها في مسألة اللجوء إلى الأسلحة النووية ومشروعية التهديد بها، في ضوء المبادئ والقواعد للقانون الإنساني الدولي الساري في أوقات النزاع المسلَّح وقانون الحياد، فوجدت أن القانون المذكور يتكون من مجموعة القواعد المتعلقة بقانون الحرب وأعرافها، أو ما يُطلَق عليه "قانون لاهاي"، ومجموعة القواعد التي تهدف إلى حماية ضحايا الحرب، ولاسيما المعنيون غير المشاركين في الحرب، ويُطلَق عليها "قانون جنيف".
من الملاحظ، على نحو واضح جداً، أن جميع هذه القواعد تبيّن أن اللجوء إلى العمليات العسكرية تحكمه مجموعة محدَّدة من القواعد والضوابط، فحق المتحاربين في استخدام وسائل الإضرار وهزيمة العدو ليست مطلقة ومن دون قيود. وأكدت المادة الـ22 من لائحة لاهاي لعام 1907 هذا الأمر. وكان إعلان سان بطرسبورغ عام 1899 دان بوضوح استخدام الأسلحة التي تضاعف من دون فائدة آلام جرحى الحرب، أو تجعل وفاتهم حتمية.
وانتهت المحكمة إلى أن القانون الدولي الإنساني يحظر أنواعاً معينة من الأسلحة بسبب نتائج استخدام هذه الأسلحة "غير التمييزية" بين المقاتلين والمدنيين من جهة، وما تسببه من آلام غير ضرورية لدى المقاتلين من جهة أخرى. فإذا كان استخدام الأسلحة لا يتلاءم مع متطلبات القانون الدولي الإنساني، فإن التهديد باستخدامها سوف يكون ايضاً مخالفاً لهذا القانون.
فما هو نص قرار محكمة العدل الدولية بخصوص مشروعية استخدام الأسلحة النووية، أو التهديد باستخدامها؟
بعد أن استجابت المحكمة لطلب إعطاء الرأي الاستشاري المطروح أمامها، قررت الآتي:
1. لا توجد قاعدة دولية، اتفاقية أو عرفية، تنص على السماح بالتهديد باستخدام الأسلحة النووية، أو باستخدامها.
2. لا توجد قاعدة قانونية دولية، اتفاقية أو عرفية، تقرّر حظراً شاملاً وعاماً بخصوص التهديد باستخدام الأسلحة النووية، أو استخدامها.
3. يُعَدّ غيرَ مشروع التهديدُ باستخدام الأسلحة النووية، أو استخدامُها، لأنه يخالف المادتين الـ2/4 والـ51 من ميثاق الأمم المتحدة.
4. التهديد باستخدام الأسلحة النووية، أو استخدامها، يجب أن يتطابق مع قواعد القانون الدولي المطبَّقة خلال النزاع المسلح، وخصوصاً مبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعده، وكذلك الالتزامات المحدَّدة وفقاً للمعاهدات التي تعالج صراحة الأسلحة النووية.
5. التهديد باستخدام الأسلحة النووية، أو استخدامها، يتعارض، بصفة عامة، مع قواعد القانون الدولي المطبَّقة في أثناء النزاع المسلَّح، وخصوصاً مبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعده. ومع ذلك، وبالنظر إلى الوضع الحالي للقانون الدولي، والوقائع التي في حوزة المحكمة، فإنه ليس في إمكان المحكمة أن تستنتج، بصورة نهائية، إذا كان التهديد باستخدام الأسلحة النووية، أو استخدامها، مشروعاً أو غيرَ مشروع في حالة الدفاع المشروع، التي يكون فيها بقاء الدولة مهدَّداً بالخطر.
6. يوجد التزام بإجراء مفاوضات والتوصل إلى نتيجة بخصوص نزع السلاح النووي في جميع جوانبه وتحت رقابة دولية صارمة وفعلية.
وللعلم، فإن قرارات محكمة العدل الدولية تصدر بالأكثرية من القضاة الحاضرين. وإذا تساوت الأصوات، يكون صوت الرئيس أو القاضي الذي يقوم مقامه مرجِّحاً. وصدر رأي المحكمة بخصوص الفقرة الـ5 بالصوت المرجح للرئيس (القاضي محمد بَجاوي)، فكانت الأصوات منقسمة بخصوص هذه الفقرة: 7 أصوات مع، و7 أصوات ضد. وهذه هي الفقرة التي قد يكون نائب رئيس مجلس الأمن الروسي يشير إليها في تصريحه، والآراء المخالفة التي وردت وسيقت من جانب قضاة المحكمة حينها، طرحت إشكالية مهمة في حالة تهديد وجود الدولة. فهل عندها يكون جائزاً استخدام السلاح النووي للمحافظة على الوجود؟
وهل حسمت الفتوى الجدل الدائر حول مشروعية استخدام الأسلحة النووية، أو التهديد بها؟
1- وجد الأستاذ مانفريد مور أن الفتوى خلصت إلى نتيجتين متناقضتين:
فنظراً إلى الخصائص الفريدة للأسلحة النووية، فإن استخدامها لا يتماشى إطلاقاً مع مقتضيات القانون الدولي الإنساني، إلاّ أنه ليس في وسع المحكمة أن تثبت بكل تأكيد إذا كان استخدام الأسلحة النووية يخالف في كل الظروف القانون الدولي الإنساني، إذ إن هناك، مع ذلك، حق الدولة في البقاء، وحق الدفاع عن نفسها.
إن المحكمة خلصت إلى نتيجة جوهرية، هي أن التهديد بالأسلحة النووية واستخدامها ليسا مشروعَين، بصورة عامة، في نظر القانون الدولي الإنساني، مع تأمين مخرج لنفسها في حال تهديد بقاء الدولة. واعتُمد هذا القرار بسبعة أصوات في مقابل سبعة، وبصوت الرئيس المرجِّح، بيد أنه يجب أن نلاحظ أن ثلاثة قضاة اعترضوا (رسمياً) على أي تبرير محتمل لاستخدام الأسلحة النووية. ولم تصدر الاعتراضات "الحقيقية" سوى عن قضاة الدول النووية الثلاث (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا). أمّا القاضي الألماني فلايشهاور، فانضم إلى رأي الفريق الذي كان الرئيس عضواً فيه.
2- في حين أن الأستاذ في القانون الدولي العام، عبد العزيز عبد الهادي، أكد أن الفتوى الصادرة عن المحكمة لم تحسم، على نحو قاطع، الجدل الدائر منذ فترة بشأن مشروعية استخدام الأسلحة النووية، بدليل ما ورد في الرأي الصادر عن المحكمة، ومفاده أنه "ليس في القانون الدولي العرفي، أو القانون الدولي الاتفاقي، أيُّ حظر شامل وعام للتهديد بالأسلحة النووية بالذات أو لاستخدامها، وأنه، بالنظر إلى حالة القانون الدولي الراهنة والعناصر الوقائية التي هي تحت تصرفها، ليس في وسع المحكمة أن تخلص إلى نتيجة حاسمة بشأن ما إذا كان التهديد بالأسلحة أو استخدامها في ظرف أقصى من ظروف الدفاع عن النفس، يكون فيه بقاء الدولة ذاتها معرَّضاً للخطر".
3- أمّا القاضي كوروما، وكان أحد أعضاء محكمة العدل الدولية حينها، فأوضح الوضع الذي آلت إليه المحكمة في فتواها، ورأى أن قرار المحكمة لا يمكن الدفاع عنه من الوجهة القانونية، فهو ينطوي على احتمال الإخلال باستقرار النظام القانوني الدولي القائم، ثم إن رأي المحكمة يثير الشك بشأن النظام المتعلق بحظر استخدام القوة وحق الدفاع عن النفس، والمنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وفي الوقت ذاته يؤدي إلى فتح ثُغَر في القيود القانونية المفروضة على الدول الحائزة للأسلحة النووية فيما يتعلق بهذه الأسلحة. ويؤخذ على المحكمة أيضاً أنها ابتدعت مفهوماً جديداً، وهو مفهوم بقاء الدولة (State Survival)، وجعلت منه استثناءً من قواعد القانون الدولي الإنساني، بحيث يجوز للدولة المهدَّد وجودها بالخطر استخدامُ السلاح النووي.
يُضاف إلى ما تقدَّم أن المحكمة ربطت بين حق الدفاع عن النفس وبقاء الدولة وحق استخدام السلاح النووي. وعبّرت عن عدم تأكدها من مشروعية استخدام السلاح النووي، أو عدم مشروعيته، في ظرف أقصى من ظروف الدفاع عن النفس، يكون فيه بقاء الدولة نفسه معرَّضاً للخطر. وهذا يعني أن المحكمة ابتدعت مفهوماً جديداً لحق الدفاع عن النفس، يمكن في إطاره استخدام السلاح النووي، وتناست أن اللجوء إلى حق الدفاع المشروع مقيَّد بشرطَي الضرورة والتناسب، وأن استخدام القوة – كي يكون مشروعاً – ينبغي له أن يخضع أيضاً لمتطلبات القانون الواجب التطبيق في أوقات النزاع المسلَّح، والتي تتكون من مبادئ القانون الإنساني وقواعده، وأن طابع الأسلحة النووية وما يرتبط بها من مخاطر يتنافى مع قواعد القانون الإنساني
بناءً عليه، فإن نص الفتوى تضمَّن عدداً من النقاط الجديرة بالاهتمام، والتوقف عندها. لكنّ هناك عدة ملاحظات وانتقادات السلبية لها، نوردها كالآتي :
- النقاط الإيجابية
أكدت الفتوى أن استخدام الأسلحة النووية يخضع لمبادئ القانون الدولي العرفي الذي ينظم سير النزاع المسلح. واعترفت بالخصائص المدمرة للأسلحة النووية. وأكدت عدة مبادئ إنسانية مهمة في أثناء النزاعات المسلحة، ومنها أن حق المحاربين في استخام وسائل الإضرار بالعدو ليس حقاً مطلقاً، وحظر التسبب بالمعاناة غير الضرورية، ومبدأ التمييز بين المدنيين والعسكريين، وضرورة تأمين الحماية للمدنيين في أثناء النزاعات المسلحة، وعدم جواز أن يكون المدنيون هدفاً للهجوم، وألا يستخدم العسكريون أسلحة لا تميّز بين الأهداف العسكرية والمدنية. وأكدت أن على الدول الحائزة للأسلحة النووية وجوب التزام التفاوض والتوصل إلى اتفاق على فرض حظر شامل للأسلحة النووية.
- النقاط السلبية
1- لم تبتَّ الفتوى في جوهر القضية وأساسها وصلبها، ولم تُعطِ جواباً كافياً وشاملاً وحاسماً بشأن شرعية استخدام الأسلحة النووية، أو التهديد باستخدامها، في كل الظروف.
2- لم تُحسَم، بصورة واضحة، مسألةُ خضوع استخدام السلاح النووي، أو التهديد باستخدامه، للقانون التعاهدي أو القانون العرفي، عندما نصت على أن المبادئ العامة للقانون العرفي، وخصوصاً مبادئ القانون الدولي الإنساني، تنطبق على أيّ استخدام للأسلحة النووية، أو تهديد باستخدامها
3- فات المحكمة أنه في التاريخ الذي أُصدرت فيه الفتوى (في عام 1996)، كان هناك 183 دولة طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تعهدت 178 دولة منها تطبيقَ حظر شامل على إنتاج الأسلحة النووية وحيازتها وتخزينها واختبارها واستخدامها. لذلك، فإن ادعاء عدم وجود قانون بشأن ما إذا كان مشروعاً استخدامُ الأسلحة النووية، أو التهديد باستخدامها، هو ادعاءٌ ناقص، من حيث إنه لا ينطبق على الدول الخمس الكبرى الحائزة للأسلحة النووية. أمّا بالنسبة إلى الدول الأخرى، فإنها تعاهدت ووافقت على أن استخدام الأسلحة النووية، أو التهديد بها أو حيازتها، هي عمل غير مشروع.
4- كرّست الفتوى جوهر معاهدة عدم الانتشار، الذي افترض أن الأطراف قبلت امتلاك الدول الخمس للأسلحة النووية كحقيقة واقعة، وأن الحل الوسط، الذي تم التوصل إليه في المعاهدة، كان بالنسبة إلى الدول الأطراف غير الحائزة للأسلحة النووية، هو أن تتنازل عن الحق في استحداث الأسلحة النووية وحيازتها وتخزينها واختبارها واستخدامها، في مقابل التزام الدول الحائزة لها التفاوضَ بنية حسنة للقضاء على مخزوناتها من الأسلحة النووية.
5- حفظت الفتوى للدول الكبرى، غير المنضوية في معاهدة حظر الانتشار، حقَّ الدفاع "النووي" أو امتلاك السلاح النووي، بحجة الدفاع عن النفس. وبذلك، تكون الدول الخمس الكبرى الحائزة للأسلحة النووية، والدول التي رفضت الانضمام إلى المعاهدة، أصبحت في وضع متميز يسمح لها باستخدام الأسلحة النووية في الدفاع عن النفس، بينما لم تسمح لجميع الدول الأخرى بذلك.
6- عادت الفتوى بنا قروناً إلى الوراء عندما تكلمت بمنطق القوة للدفاع عن النفس، وعندما تأرجحت في رأيها عبر قولها إنه ليس في وسعها التوصل إلى استنتاج نهائي بشأن شرعية استخدام الأسلحة النووية أو عدم شرعية استخدامها، من جانب دولة في حالة قصوى من الدفاع عن النفس، يتعرّض فيها بقاؤها للخطر، وعبر قولها بعدم وجود قانون يحكم الموضوع. فهنا خلطت المحكمة بين "قانون اللجوء إلى القوة" و"قانون تسيير الحرب"، في حين أقرّت الدول الكبرى بانطباق المبادئ الإنسانية في أثناء النزاعات المسلحة، وقبلت كل الدول مبدأ وجوب أن يخضع أي استخدام للأسلحة النووية، أو تهديد مشروع باستخدامها، لكِلا القانونين. فلماذا إذاً لم تتمسك الفتوى بهذا القبول، وتجعله ملزماً للدول، وإصدار فتواها بالقول بعدم جواز اللجوء إلى القوة المفرطة، المتمثلة باستخدام السلاح النووي، والحد من استخدام القوة الحارقة التي لا تُبقي ولا تذر، أم أنها أبقت هذا "الاستثناء" وهذه الفقرة، كما وصفها بعض الفقهاء بـ "المطاطة"، نتيجة ضغط من الدول الكبرى؟ وأبقت لنفسها هذه الصلاحية في استخدام السلاح ساعة تقرر، أو تجد أن وجودها، أو ربما مصالحها الاقتصادية أو السياسية، في خطر؟
7- أعطت الفتوى ذريعة للدول، التي لم تنضمّ إلى معاهدة عدم الانتشار، من أجل التملّص من موجباتها القانونية والإنسانية. فوجدت الدول التي لم تنضمّ إلى المعاهدة عنوةً ("إسرائيل"، باكستان، الهند) في الفتوى غطاءً قانونياً لها وملاذاً لتبرير قرارها البقاءَ خارج معاهدة عدم الانتشار. وخلقت الفتوى، لدى الدول الأطراف غير الحائزة للأسلحة النووية، والتي لا تربطها علاقات طيبة بهذه الدول الثلاث، خوفاً، بيد أن المحكمة أقرت بمشروعية برامج أسلحة هذه الدول تحت عنوان "الدفاع عن النفس". وهنا يُطرح السؤال الكبير: لماذا يخوَّل لهذه الدول تنفيذ برامج للأسلحة النووية تحت عنوان الدفاع عن النفس، بينما قبلت سائر دول العالم، المنضوية تحت المعاهدة، حَظْرَ هذا الخيار؟ وهل حق الدفاع عن النفس أصبح حقاً استنسابياً؟
بناءً عليه، نعتقد أن تصريح نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي استند إلى هذه الفتوى الوثيقة، وإلى سردية الآراء التي وردت من جانب بعض قضاة المحكمة بخصوص إمكان استخدام السلاح النووي في حال هُدِّدت الدولة – روسيا – بوجودها. فهل يكون التهديد النووي الغربي – الأطلسي – الأميركي قريباً لتثبيت "توازن الرعب" الذي يُبعد شبح استخدامه؟

alafdal-news
