ريما الغضبان - خاص الأفضل نيوز
ذات يوم أجبرني وطني على الرحيل، تلك الساعة لم أكن أملك سوى الهروب لمكانٍ بعيد لعلّه أرحم بي من الوطن. تمهلت خطواتي يومها بين الرحيل لمستقبلٍ آمن أو البقاء لعلّ الغد يكون أفضل. حملتُ حقائبي محملًا بالذكريات، على أمل العودة يومًا ما، ولكنني حتى اليوم لم أعد.
هذا مشهدٌ مر ومازال يمرُ في حياة كل منا، هو حال كل مواطنٍ لبناني أجبرته الظروف المعيشية على الرحيل.
منذ عشرات السنوات، كان ولايزال لبنان كما هو ولكن كل مرة في حلةٍ مختلفة. فتارة هي الظروف المعيشية من يُجبرنا على الرحيل، وتارة أخرى حروب العدو الإسرائيلي، ومراتٌ عديدة الحروب الأهلية.
منذ العام ١٩٧٥ بدأت الحروب الأهلية، وبدأ الشعب اللبناني بالتشرد والهروب من مكانٍ لآخر. كانت الهجرة هي الحل الأول والأنسب، لغاية العام ١٩٩٩، لتتجدد في العام ٢٠٠٨. مما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة من المواطنين.
أما عن حروب إسرائيل التي لم ترحمنا يومًا، فكثيرةٌ كانت النزاعات ولعل أكثر ما نتذكره هي حرب ٢٠٠٦، التي مازالت في ذاكرة الجيل الصاعد الذي لم يستطيع أن يعيش المستقبل أو الحلم حتى اليوم.
ولكن، وكأن هذا الماضي المليء بالأحداث والمواقف المدمرة للوطن والمواطن، لم تكن لتكفي. ليغرق الوطن في أزمة ليس لها مثيل. فهذه الأزمة التي يمرُ بها الوطن، لم يشهدها المواطن في السابق. فهي أزمةٌ غذائية، أمنية، سياسية، مصرفية، سلبتنا أبسط الحقوق.
فحين لم يجد المريض مشفى يداويه، وحين لم يجد التلميذ المال ليتعلم، وعندما يقف المواطن أمام طوابير " البنزين والمازوت"، وأن وجد ما يشتريه فهو غير كافٍ ليحميه من صقيع الشتاء.
وعندما يتغيب التلميذ عن مدرسته لعدم قدرة الدولة على تأمين التدفئة في الأيام الباردة، وعندما يترك الكثير المدرسة وحلم الطفولة لعدم القدرة على دفع المستحقات، فلا يكون الوطنُ وطننًا لهؤلاء. فهو لم ينصفهم حتى في طفولتهم، التي يعيشونها في الظلمة لشح الكهرباء.
أمام كل هذا القهر والذل، وأمام وطننٍ لم يُشعرنا يومًا بالطمأنينة، رحل عددٌ كبير من اللبنانيين وبالأخص في العامين الماضيين نظرًا لسوء الأوضاع على كافة الأصعدة.
وكما قال نزار قباني: " يا وطني الحزين، حولتني بلحظةٍ من شاعرٍ يكتُب الحب والحنين، لشاعرٍ يكتبُ بالسكين". بات اليوم اللبناني يكتُب مستقبله وحياته في وطنٍ غريب يحملُ بقلبه القهر والحب والحقد في آن معًا على الوطن، ومن أخذ بيد الوطن إلى الجحيم.
لمَ ضِقتَ بنا يا وطني، قد كان حُلمي أن يزول الهم عني عند بابك.

alafdal-news
