طوني خوري - خاص النشرة
لم يعد من مكان للمنطق والعقلانية في التعاطي مع الانتخابات النيابية المزمع اجراؤها في شهر أيار المقبل، فلا المرشحون يقفون عند حدود، ولا الناخبون يغلقون الأبواب أمام حمم بركان الانتخابات الهائج الذي قرّر ان يتصدر كل الاهتمامات المحلّية، ولو كان الأمر على حساب المسائل اليوميّة الأساسيّة والحياتيّة الضّروريّة. والغريب في الأمر أن البعض كان يمنّن النفس بأن من بات خارج لبنان، ذاق حلاوة الابتعاد عن مرارة تسليم القرار إلى مسؤولين ورؤساء أحزاب وتيارات اكتسبوا مكانهم ومركزهم بفعل المراعاة الطائفية والمذهبية وتبادل المصالح الشخصية، لكن الواقع بات يُظهر أمراً آخرًا أكثر تشاؤماً مما توقعه هذا البعض. تطلع قسم من اللبنانيين إلى المغتربين على أنهم القدرة التّغييريّة التي يرجوها لبنان، بعد فقدان الأمل تقريباً بالتغيير المرتقب محلياً، لتأتي الضربة مدوية وقاسية بعد أن أظهرت التطورات أن المغتربين ركبوا الموجة نفسها على متن قطار المسؤولين ورؤساء الأحزاب والتيارات السياسية، ليتناتش هؤلاء على أصوات المقيمين في الخارج والذين قارب عددهم هذه المرة نحو ربع مليون ناخبا.
صحيح أن نسبة اللبنانيين في الخارج تفوق هذا الرقم أضعافا مضاعفة، لكن العيّنة الماثلة أمامنا لا توحي بالأمل، فقد تحمّس الناخبون في الخارج لانتخاب من يجب أن يكونوا خارج السباق الانتخابي، واندفع الأدرينالين في عروق الأجانب من أصلٍ لبنانيٍّ، ليفعل فعله في دعم هذا الحزب أو ذاك التيار أو تفضيلاً لهذا الزعيم على غيره. انشغل عددٌ لا بأس به من المرشحين في تأمين حضوره خارج لبنان، وفي جذب أكبر عددٍ ممكن من الأصوات "الاجنبية"، مع العلم أن النسب لا تزال ضئيلة، ولكن شراسة التسابق على هذه الأصوات تحديداً، دفع إلى التفكير في المعنى الحقيقي لهذا الواقع المستجد. فما الذي يستأهل إيفاد مرشحين إلى عدد من الدول العربية والغربية لضمان بعض الأصوات فقط، فلو كان الهدف وضع كل الأصوات في خانةٍ واحدةٍ، لكان الأمر مفهوماً، أما تقسيم الأصوات كما هو حاصل حالياً، فيعني أن مشقة السفر ودفع المصاريف لا تستأهل كسب عدد قليل منها، في وقت يدّعي المرشحون جميعهم أنهم "يعانون" كما الشعب الّلبناني من عدم تأمين الأموال ولا التحكّم بالقدرة على صرفها في حال وُجدت.
وتنتشر أخبارُ سفر المرشّحين إلى دول عربيّة وأجنبيّة لعقد لقاءات مع الجاليات ومع "المحازبين"، فـ"يتناتشون" حفنة من الأصوات، في انتخابات يؤكد الغرب قبل اللبنانيين أنفسهم أنها لن تغيّر في الواقع السياسي العام أيّ شيء، وأنها لن تؤثرَ على الواقع الاقتصادي والمالي المحكوم بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. الأمر الوحيد الذي يمكن فهمه من خلال هذه التحركات أن نسبة نفوذ الأحزاب والتيارات في خطر، وليس حضورها في مجلس النواب المقبل، وأن هذه النسبة مصيرية بالنسبة إلى التواجد في الإدارات والمناصب الرسمية، لذلك تتصاعد المواجهات في هذا المجال، وأبرزها تلك التي بين القوات اللبنانيّة والتّيار الوطني الحر، حيث طرح الأول الثّقة بوزير الخارجيّة على خلفيّة اتّهامه بالعمل على منع المغتربين من التصويت، فيما هدّد الثاني بالطعن بنتائج الانتخابات إذا ما تم تغيير المنهج الحالي الذي رست عليه صيغة الانتخابات وتقسيم أقلام الاقتراع في الخارج. وفي هذه المعمعة التي يتسابق فيها كل طرف لجمع أصوات إضافيةّ وتحسين عدد نوابه، تقف فئة من اللبنانيين مصدومة من ردة فعل الناخبين اللبنانيين في الخارج، الذين لم يتأثّروا بأجواء الدول التي استضافتهم، بل حافظوا على ما حملوه من لبنان بالوراثة والدم، وهو الذي من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من الانقسام والمصائب بالنسبة إلى البلد الذي قيل انه لا يقوم إلا بجناحيه المغترب والمقيم، ولكن بدل أن يُدخل الجناج المغترب مفاهيم تغييرية ثوريّة إلى الجناح المقيم، حصل العكس تماماً لتبقى الحسرة في نفوس اللبنانيين غير المقتنعين بالأمر الواقع، ولكن لا قدرة لهم على تغييره أو التخلص منه.

alafdal-news
