سميح صعب - النهار العربي
بعد شهرين على الحرب الروسية - الأوكرانية، لا تظهر مؤشرات الى إمكان تحقيق خرق دبلوماسي يسكت المدافع وينقل المواجهة إلى قاعات التفاوض بدلاً من ميادين القتال. وليست روسيا وأوكرانيا وحدهما من يدفع الثمن، وإنما العالم كله الذي بدأ يتشكل من جديد تبعاً لحرب هي الأكثر كارثية منذ الحرب العالمية الثانية.
روسيا، أعلنت المرحلة الثانية من الهجوم في منطقة الدونباس، بينما الغرب يعزز مساعداته العسكرية لأوكرانيا، من ناحية الكم والنوع، ويفرض المزيد من العقوبات، في مسعى لمنع موسكو من تحقيق أهدافها من وراء الحرب.
وزيادة المساعدات العسكرية لأوكرانيا تحمل في طياتها مخاطر التحول إلى صدام مباشر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. وزادت موسكو من تحذيراتها لدول الحلف من مغبة المضي في تقديم المساعدات وإرسال المتطوعين للقتال إلى جانب القوات الأوكرانية. ويعزز ذلك من فرضيات حصول مثل هذا الصدام، بالصدفة أو من طريق الخطأ.
والوحدة التي أبداها الغرب في الأسابيع الأولى للحرب، بدأت تعاني من تشققات في ضوء رفض ألمانيا التوقف الفوري عن استيراد النفط والغاز الروسيين، بينما تلح الولايات المتحدة وبولندا ودول البلطيق على ضرورة فرض الحظر على استيراد الطاقة الروسية في أسرع وقت ممكن، بهدف حرمان الكرملين من مصادر تمويل الحرب. ويدرس الاتحاد الأوروبي الحزمة السادسة من العقوبات وسط هذا التباين المعلن في الآراء. وتعلن برلين صراحة أن استغناءها الفوري عن الطاقة الروسية، سينزل ضربة كبيرة بالاقتصاد الألماني ويدخله في مرحلة الركود، خصوصاً أن البدائل ليست متوافرة بسهولة وتحتاج أقله إلى سنوات.
وتواجه الدول الأوروبية موجة تضخم بسبب العقوبات التي فرضتها، فضلاً عن التكاليف الناجمة عن زيادة الموازنات العسكرية، تضاف إليها أعباء أكثر من خمسة ملايين لاجئ أوكراني فروا من بلادهم.
وبعيداً من أوروبا، أثارت الحرب انقساماً دولياً، بات واضحاً مع عدم تأييد الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا والمكسيك ودول أخرى في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. وتطلق واشنطن تحذيرات متكررة للصين والهند من احتمال تقديم مساعدات لروسيا تمكنها من الالتفاف على العقوبات.
ومن ناحية أخرى، ألقت الحرب بظلالها على دول كثيرة في العالم، لا سيما في ما يتعلق بسلاسل الغذاء. وبرز التأثير في الحاجة إلى القمح الروسي والأوكراني، الذي تراجعت صادراته بسبب الحرب، ما يهدد الأمن الغذائي لدول كثيرة في العالم. ولا يستبعد أن يقود ذلك إلى اضطرابات اجتماعية.
وهكذا غيرت الحرب الأوكرانية من أنماط العلاقات الدولية ومن الهيكليات الاقتصادية، التي كانت قائمة لعقود خلت. وحتى لو توقفت الحرب من الغد، فإن دولاً كثيرة ستحاول التقليل من اندماجها في الاقتصاد العالمي، كي لا تتعرض لما تعرضت له روسيا من تجميد لأرصدتها في المصارف الغربية. وهذه ظاهرة ستؤثر بلا شك في الاندفاع الذي شهدته العولمة في العقود الثلاثين الأخيرة. وقد يدفع هذا ببعض الدول إلى عدم الاعتماد الكلي في تجارتها أو في احتياطاتها من العملات الأجنبية على الدولار فقط. ومثل هذا التطور سيقوي أكثر موقع اليوان الصيني على سبيل المثال.
وبصرف النظر عن النتيجة التي ستسفر عنها الحرب الروسية - الأوكرانية، فإن تأثيراتها ستكون جلية في العالم. وتالياً ستترتب عليها أنماط جديدة من التعامل ستفرض نفسها شيئاً فشيئاً، ومن بينها تعزيز النظرة الوطنية، ونشوء تكتلات اقتصادية إقليمية قوية، قادرة على مقاومة أي نوع من الضغوط التي تعرضت لها روسيا على نحو غير مسبوق.

alafdal-news
