فادي عبود-الجمهورية
تستمر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وتستمر معها الشروط العجيبة والغريبة، وكل ذلك للحصول على دين بقيمة 3 مليارات من الدولارات، لمساعدة البلاد في الخروج من أزمة اقتصادية خانقة.
ويبدو أنّ الطريقة الجديدة لمحاربة الفساد هي إفقار الناس والدولة لأجيال عديدة مقبلة، والتأكّد من انّ لا أحد يملك شيئاً، وبذلك لا يوجد شيء لسرقته.
أما كيف سيتمّ إفقارنا لسنوات عدة مقبلة؟:
ـ أولاً، الحديث عن إلغاء أو تعديل السرّية المصرفية في لبنان كشرط للحصول على الدين، حيث بدأ الحديث عن تعديلات على السرّية المصرفية لمواءمة الشروط، بحجة السيطرة على جرائم الفساد. المطلوب ببساطة ربط طلب رفع السرّية المصرفية بالقضاء، في حال الاشتباه بحالات فساد. فلماذا الدخول الآن في تعديلات ستؤدي الى إلغاء السريّة المصرفيّة كلياً؟ ولماذا الاهتمام المفاجئ اليوم بالسرّية المصرفية، خصوصاً أنّ صندوق النقد والدول الكبرى التي تموّله، تعرف جيداً كل التفاصيل المتعلقة بأي حسابٍ مصرفيٍّ؟ ألا يدرك صندوق النقد الدولي أنّ ذلك سيكون مؤذياً للقطاع المصرفي في لبنان، حيث كانت السرية المصرفية ميزةً أساسيةً ساعدت في ازدهاره، وأنّ إضعاف القطاع المصرفي هو إفقار للبنان؟ وقبل الحديث عن تعديلات السرية المصرفية، لماذا لا يُطالب صندوق النقد الدولي بكافة تقارير تدقيق المصرف المركزي من قِبل شركتين عالميتين هما «ديلويت اند توش» و»أرنست اند يونغ»، خصوصاً أنّ المال العام لا يخضع للسريّة المصرفيّة؟ أما لمن يعتبر أنّ السريّة المصرفيّة تطاول القطاع العام، فهو حتماً يملك نيّة السرقة ويريد حماية السارقين والفاسدين.
ـ ثانياً، إنّ ما يتمّ التخطيط له بالنسبة إلى الودائع، سيكون ضربة قاضية للثقة بلبنان كما للمصارف وللاقتصاد عموماً، فسنفقد الثقة لأجيال عدة مقبلة، ولن نتمكن من بناء اقتصاد مزدهر. الّا يدرك صندوق النقد الدولي تبعات ذلك؟ فهل هذا المطلوب؟ إعادة ما تبقّى من الودائع لأصحابها سيكون بداية لإعادة الثقة على السّكّة الصحيحة، وهذا أضعف الإيمان، وأقل ما يمكن القيام به لإعادة ما تبقّى من حقوق للمودعين بعد أن تآكلت على مدى السنوات الثلاث المنصرمة.
ـ ثالثاً، هل هناك توصيات لصندوق النقد الدولي لزيادة الإنتاج في البلد؟ وهل اقتنع بما تقترحه الحكومة لذلك؟ ألا يريد أن يضمن أن نتمكن من إعادة الدين وعدم التخلّف عن سداده؟ ألا يطلب الصندوق تصوراً واضحاً حول كيف سيتمكن لبنان من دفع مستحقات الدين؟ أم أنّ المطلوب ألّا نتمكن من سداد الدين؟ إذا سعينا للاستدانة من دون زيادة الإنتاج نكون استسلمنا للتعتير، وذلك سيُبقي لبنان رهينة دينه وعجزه المالي.
أخيراً، نكرّر قبل الحديث عن إلغاء أو تعديل السرية المصرفية ومنح دين جديد، ألم يسأل صندوق النقد الدولي كيف تمّ تحديد أرقام الخسائر وبناءً على أي معطيات وأرقام وتقارير، ومن هنا أهمية كشف تقارير المصرف المركزي المدققة على مدى 26 عاماً بواسطة شركتي «ديلويت أند توش» و«أرنست أند يونغ»؟ ألا تهمه استعادة الاموال المنهوبة، وهو يعرف كل قرش أين ذهب ومن أخرجه من البلاد، ويعرف كل فاسد ولا يحتاج السرية المصرفية لذلك؟ ألا يهمّ صندوق النقد تغيير القوانين التي تؤذي الاستثمار، وتغيير الإجراءات الإدارية، لنتمكن من تفعيل الاستثمارات وتحقيق الازدهار؟.
ألا يدرك صندوق النقد الدولي أنّ قانون الشفافية المطلقة والبيانات المفتوحة، تبقى الضمان الوحيد لتوظيف الدين في مكانه الصحيح وعدم نهبه وهدره عشوائياً كما حصل سابقاً؟
ما يحدث اليوم، أنّهم يسعون للاستدانة مجدداً بأي طريقة، ويبحثون من جيب من سيسدّدون الديون، وعبر أي ضرائب يفرضونها على المستثمر والمواطن. وهذا مع الأسف خطأ تاريخيّ سيكلّف لبنان غالياً.
علينا أن نرفض أي ديون جديدة بشروط تؤدي إلى إفقارنا لأجيال عدة مقبلة، ونرفض أي دين قبل الإطلاع على تقارير مصرف لبنان المدققة التي ذكرناها أعلاه، وكذلك إقرار الشفافية المطلقة، لكي لا يكون مصير الديون الجديدة مثل الديون القديمة. وإقرار قانون الشفافية سهل جداً، فهو موجود في المجلس النيابي كما ذكرنا، ولا يوجد عذر لعدم إقراره، ويتحمّل كل نائب لا يطالب بإقراره مسؤولية تجاه الشعب اللبناني.

alafdal-news
