غدير عدنان نصر الدين -خاصّ الأفضل نيوز
…حتى مساء الإثنين ١٦ آذار ٢٠٢٦، قتلت إسرائيل ١١١ "طفلاً" وجرحت ٣٣٢ آخرين، وذلك مع دخول الحرب الإسرائيلية على لبنان أسبوعها الثالث، فكيف يمكن لعيد الأم أن يستعيد معناه الحقيقي وسط هذا الركام والدمار النفسي؟
يأتي عيد الأم هذا العام مثقلاً بآلام الحرب وظلالها، محمّلاً بدموع الفقد ووجع الغياب حيث فقدت آلاف الأمهات أبناءهن وأزواجهن، وأصبحت الغصة رفيقة معظم العائلات وخصوصاً في الأعياد.
عيد الأم، الذي اعتدنا أن يكون مناسبة مليئة بالحنين، أصبح اليوم مرآةً تعكس صمود المرأة اللبنانية الجنوبية وتضحياتها الجسيمة في مواجهة القسوة والحرمان.
وفي خضمّ هذه المآسي، تبقى الأم رمزاً للأمل، وصوتاً للحياة في وجه الموت، لتؤكّد أنّها رغم الجراح ما زالت قادرة على أن تمنح أبناءها الحنان، القوة، التضحية والاستمرار.
أمهات في مراكز الإيواء…ذاكرة الحرب لا تهدأ
في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز" مع عدد من الأمهات النازحات، اللواتي يمرّ عليهن عيد الأم هذا العام وهنّ في مراكز الإيواء بعدما ذقن مرارة النزوح في حرب أيلول قبل سنة ونصف، ها هنّ يعشن السيناريو نفسه من جديد، حيث تشاركت النساء هموم الحرب بين من فقدت ابنها أو ابنتها تحت القصف والغارات، وبين من تهدّم بيتها وأصبحت بلا مأوى مع عائلتها.
إحدى الأمهات، وقد فقدت ابنها في الحرب الماضية، عبَّرت أن عيد الأم هذا العام ليس عيداً بالنسبة لها، بل هو يوم مليئ بالحزن يذكّرها بالكرسي الفارغ في البيت وبضحكةٍ لن تعود أبداً.
من المؤسف القول إنّ كلماتها تختصر حجم الفقد الذي يعيشه كثيرون. إلى جانبها، تحدّثت أم أخرى عن مرور عيد الأم هذا العام وهي محاطة بأطفالها في غرفة مشتركة مع عشرات العائلات، مؤكدةً أنها تحاول أن تصنع لحظة فرح صغيرة لأولادها لكن في داخلها جرح كبير لا يلتئم.
أم ثالثة، نزحت مع عائلتها من الجنوب، روت كيف تحاول أن تحافظ على صورة الأم القوية أمام أطفالها:"أخفي دموعي عنهم، أبتسم وأقول لهم إننا لا بدَّ أن نعود إلى بيتنا عاجلاً أم آجلاً. أريدهم أن يتذكّروا أن أمهم لم تنهزم، حتى لو انهدم البيت فوق ذكرياتنا."
إضافةً إلى ذلك، وإلى جانب الألم الشخصي، تتحدّث الأمهات أيضاً عن التحديات اليومية في تربية أطفالهن وسط ظروف النزوح، حيث تتحوّل حقوق أساسية كاللعب والفرح أو حتى عام دراسي "طبيعي" كسائر الأطفال حلم بعيد…
كثيرات يعبّرن أن أكبر خوفهن ليس فقط من القصف، بل من أن يكبر أولادهن في بيئة مشوّهة، بلا تعليم ولا استقرار، وأن يورثوا ذاكرة الحرب بدل أن يعيشوا طفولة طبيعية. كما أضافت بعض الأمهات أنّهن يواجهن صعوبة كبيرة في تأمين الحليب والحفاضات لأطفالهن، وحتى لو توفّرت بعض المساعدات، فهي تبقى قليلة ولا تكفي، ما يزيد من ثقل المعاناة ويحوّل أبسط تفاصيل الأمومة إلى معركة يومية للبقاء.
في الختام، إنّ الحروب لا تقتصر على تدمير الأبنية والطرقات، بل تُحدث أيضاً دماراً داخلياً يترك أثره في النفوس، إذ تعيش كل عائلة صدمة الفقد حين تخسر أحد أفرادها.
ومن هنا، يبدو أنّ عيد الأم في زمن الحرب لم يعد مناسبة للاحتفال التقليدي، بل تحوّل إلى مساحة للتساؤل حول قدرة الأمهات في تحمّل المزيد من الخسارات…

