ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
في الحرب، لا نشتاق إلى الأشياء الكبيرة كما نظن.. لا نحلم بالمدن البعيدة ولا بالمستقبل الباذخ، بل نعود، بشكل غريزي، إلى أبسط التفاصيل.. تلك التي كنا نمرّ بها دون أن نراها.
نشتاق إلى عتبة الدرج، إلى تلك الوقفة القصيرة بين درجة وأخرى، حيث كان التعب عاديًا، لا يشبه هذا الثقل الذي يسكن الروح.
نشتاق إلى "دعسة" الباب، إلى المفتاح المخبأ تحتها، كأن الأمان كان فكرة بسيطة يمكن إخفاؤها تحت قطعة مطاط.
نشتاق إلى "مسكة" الباب، إلى ذلك الفعل الصغير الذي كان يعني: "أنا داخل.. أنا في البيت."
نشتاق إلى السرير، حتى لو كان يئنّ تحت أجسادنا، فذلك الصوت كان حياة.. يشبه هذا الصمت الثقيل الذي لا يُحتمل.
نشتاق إلى "الدوش" الساخن، إلى الماء الذي يسقط كرحمة، وإلى نافذة مفتوحة على غروب هادئ، غروب لا يحمل في لونه أي تهديد.
نشتاق إلى قرقعة الملاعق في المطبخ، إلى رائحة القهوة في الصباح، إلى ضوءٍ خافت يتسرّب من غرفة مجاورة، إلى فوضى عادية لا تخيف.
نشتاق إلى صوت الغسالة وهي تدور كنبضٍ مطمئن، إلى همس البراد في الليل، ذلك الصوت الذي كنا لا نسمعه، لأنه كان يعني أن كل شيء.. يعمل كما يجب.
نشتاق إلى الكهرباء حين تنقطع، إلى الماء حين يتأخر، إلى كل ما كنا نظنه إزعاجًا، فاكتشفنا أنه كان شكلًا من أشكال النعمة.
في الحرب،
تتعرّى الحياة من زينتها، وتبقى هذه التفاصيل الصغيرة.. كأنها الحقيقة الوحيدة التي تستحق. نكتشف متأخرين،أن البيت لم يكن جدرانًا، بل هذه الأشياء الهامشية التي صنعت معنى البقاء.
ونكتشف أننا.. لم نكن نعيش في وطنٍ كبير، بل في هذه التفاصيل الصغيرة، التي صارت، فجأة، أكبر من كل شيء. وأننا، كما في وعدٍ خافتٍ يشبه الرجاء:
"سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب - الإنجيل".

