كمال ذبيان – خاص الأفضل نيوز
يتعمّق الانقسام السياسيُّ بين اللبنانيين، الذي يُنذر بانفجارٍ أمنيٍّ في ظلِّ خلافٍ عموديٍّ على موقع لبنان في لعبة الأمم وصراع المحاور ورسم الخرائط للشرق الأوسطِ الجديد، وهو ما يعود إلى ما قبل ولادة "لبنان الكبير" وإلى ما بعدِه، وما تلا الاستقلال الذي كان حصيلة صراع نفوذٍ بريطانيٍّ - فرنسيٍّ على لبنان بعد تقسيم المشرق العربيِّ بينهما.
وتأتي قرارات الحكومة برئاسة نواف سلام لتُظهر الخلاف على ما يتعلّقُ بموضوع حصرية السلاح وآلية عمل الجيش لتطبيقه، إلى مسألة قرار الحرب والسلم.
فالحكومة الحالية برئاسة نواف سلام مرّت بثلاثة قطوعاتٍ، نجت من انسحاب وزراء الثنائي حركة "أمل" و"حزبِ الله" دون الاستقالة، بأن قرار تسليم السلاح وحصره، وتعاطت معه قيادة الجيش بحكمةٍ واحتواءٍ، ما أثار غضب الأميركيين والإسرائيليين وأطرافٍ سياسيةٍ لبنانيةٍ على قائد الجيش العماد جوزيف عون، وطرح البعض إقالته، وبتوجيهٍ أميركيٍّ عبّر عنه عضو الكونغرس الأميركيّ ليندسي غراهام.
وجاء قرار وزير الخارجية بطرد السفير الإيرانيِّ محمد شيباني، الذي قدّم أوراق اعتماده دون مراسم رسميةٍ أمام رئيس الجمهورية جوزيف عون، ليخلق أزمةً سياسيةً ودبلوماسيةً ويزيد من الانقسام الداخلي، فساندت الطائفةُ الشيعية بمكوّناتها السياسية والدينية وقت التضامن أيضاً أمام السفارة، في وقتٍ رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري صوته ضد القرار، وأصدرت حركة "أمل" بياناً ضد القرار، وطالبت السفير شيباني عدم تنفيذه.
فكشف ما حصل عن تصدّعٍ في المجتمع اللبنانيِّ القلق من انهيار الجبهة الداخلية، التي بات يُنظرُ إليها بأنّه يجب أن تُدعمَ بموقفٍ رسميٍّ موحّدٍ حول قضايا وطنيةٍ ليس موجوداً في الحكومة، وهي لا تختلف عن حكوماتٍ سابقةٍ حصل فيها تباينٌ في المواقف أدّى إلى استقالاتٍ منها أو رفع الغطاء الطائفيِّ والمذهبيِّ عنها، كما كانت تفعل قمّة عرمون الإسلامية قبل الحرب الأهلية وأثناءَها وبعدها، أو في إسقاطها في الشارع واعتكاف رئيس الحكومة وعدم توقيع المراسيم، إلى حين ابتداع ما سُمّي "المراسيم الجوالة" في عهدِ الرئيسِ أمين الجميّل.
فقرار نزع السلاح، ثم دخول "حزبِ الله" في حرب "إسناد إيران" بعد غزة، وقرار طرد السفير الإيراني، إضافةً إلى إجراءاتٍ أخرى، كلُّها تكشفُ هشاشة الوضعِ الداخليِّ اللبناني، وأخطرُه أنّه يحصلُ في ظلِّ الحرب الإسرائيلية على "حزب الله"، فتُبرِّرُها أطرافٌ سياسيةٌ لبنانيةٌ وتعتبر "حزب الله" هو المعتدي ويتحمّل المسؤولية كاملةً، وعليه أن يدفع تكاليف حروبه التي لم تكن بقرارٍ من الحكومة التي أسقطت الشرعية عن سلاحه بعد أن كان يعطى في حكوماتٍ سابقةٍ.
هذا الانقسام يظهر بالمواقف السياسية التحريضية التي تمارسها كلُّ الأطراف، وهذا ما بدأ يخلق حالةً من التوتر يتمُّ التعبير عنها عبر مواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، في ظلِّ أزمة نزوحٍ من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بات يُنظرُ إليه بعض الأطراف ليس كحالةٍ إنسانيةٍ وانتماءٍ لوطنٍ واحد، بل يشكّلُ خطرًا أمنيًّا وتغييرًا ديموغرافيًّا وتمايزًا ثقافيًّا وحضاريًّا انطلاقًا من معتقداتٍ دينيةٍ.
ولا يوجد من يعمل للوحدة الوطنية وتأجيل الانقسامات السياسية إلى ما بعد توقّف الحرب التي يريد العدوُّ الإسرائيليُّ استمرارها لتحقيق مشروعه التوسّعيِّ الاستيطاني، فلم تلقَ مبادرةُ الرئيس عون لوقف الحرب وصولاً إلى مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيل تجاوبًا أميركيًّا ولا الإجماع اللبناني، فوقع لبنان في حربٍ مفتوحةٍ يقرأ كلُّ طرفٍ نتائجها وفق مشروعه.

