طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
حمل البيان المفاجئ للسفارة الأميركية في بيروت والداعي إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل دلالات سياسية عميقة تتجاوز لغته الديبلوماسية المباشرة، وعكس محاولة واضحة لإعادة صوغ المشهد اللبناني ضمن سياق إقليمي أوسع تقوده الولايات المتحدة الأميركية.
أول ما يلفت في البيان هو توصيف لبنان بأنه "يقف عند مفترق طرق"، وهي عبارة تحمل بعداً ضاغطاً يوحي بأن الخيارات المتاحة محدودة وأن لحظة الحسم قد حانت.
هذا الخطاب ليس جديداً في الأدبيات السياسية الأميركية، لكنه يُستخدم عادة في مراحل يُراد فيها دفع الدول نحو قرارات استراتيجية كبرى، غالباً مرتبطة بإعادة التموضع الجيوسياسي.
وتذهب الفقرة الثانية من البيان إلى البعيد، إذ تعيد تعريف النزاع بين لبنان وإسرائيل بوصفه حالة "لم يكن يجب أن تكون"، وهو توصيف يتجاهل التعقيدات التاريخية والسياسية للنزاع، ويضعه ضمن إطار قابل للحل السريع عبر التفاوض، هنا يظهر بوضوح الهدف الأميركي: الانتقال من منطق النزاع إلى منطق التسوية المباشرة، وربما التطبيع، تحت عنوان "النهضة الوطنية".
أما الإشارة إلى أن وقف الأعمال العدائية جاء بطلب شخصي من دونالد ترامب فهي تحمل رسالة مزدوجة: أولاً، إبراز دور القيادة الأميركية الفردية في إدارة الملف، وثانياً، التلميح إلى أن استمرار هذا "الهدوء" مشروط بالإرادة الأميركية، ما يضع لبنان ضمن هامش نفوذ واضح.
أما الدعوة إلى لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فهي النقطة الأكثر حساسية في البيان. فهذا الطرح لا يقتصر على كونه مبادرة ديبلوماسية، بل يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة المفترضة بين لبنان وإسرائيل، وينقل لبنان من موقع المواجهة غير المباشرة إلى طاولة تفاوض علني برعاية أميركية، كما أن الحديث عن "ضمانات" أميركية للسيادة والأمن يعكس محاولة لإقناع الداخل اللبناني بأن أي تنازل محتمل يمكن تعويضه بمكاسب استراتيجية.
واللافت أيضاً هو الربط بين هذه الخطوة وبين ملفات حيوية مثل إعادة الإعمار والدعم الإنساني واستعادة سلطة الدولة، هذا الربط يضع هذه القضايا كحوافز مشروطة، ما يعني أن المساعدات قد تصبح أداة ضغط سياسية وليست مجرد دعم إنساني.
أما في ما يتعلق بتفاعل لبنان الرسمي مع ما تضمنه البيان، فمن المرجح أن يتسم بالحذر الشديد؛ فرئيس الجمهورية العماد جوزف عون، قد يجد نفسه أمام معادلة دقيقة: من جهة، هناك إغراء الضمانات الأميركية وما تحمله من وعود بالاستقرار والدعم، ومن جهة أخرى، قيود داخلية تتعلق بالتوازنات السياسية وموقف قوى أساسية ترفض أي انتقال إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لذلك، قد يميل الموقف الرسمي إلى تبني صيغة وسطية تقوم على الانفتاح على الوساطة، ولكن من دون الذهاب سريعاً إلى تطبيع علني أو لقاءات مباشرة.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فمن المتوقع أن ينقسم المشهد بحدة، قوى قد ترى في الطرح الأميركي فرصة لكسر الجمود الاقتصادي والسياسي، وربما لإعادة دمج لبنان في النظام الإقليمي والدولي بشروط جديدة، بينما ستتعامل قوى أخرى مع البيان بوصفه ضغطاً مباشراً ومحاولة لفرض مسار يتجاوز الثوابت التقليدية، خصوصاً في ما يتعلق بالنزاع مع إسرائيل. هذا الانقسام قد ينعكس شللاُ إضافياً في المؤسسات، أو على العكس، قد يدفع نحو تسويات داخلية مرحلية لتفادي الانفجار.
وفي ما يتعلق بمصير المفاوضات، يبدو أن الطرح الأميركي يفتح الباب أمام مسارين: الأول هو مفاوضات غير مباشرة، على غرار ما حصل سابقاً في ملف ترسيم الحدود البحرية، وهو خيار قد يكون أكثر قابلية للتسويق داخلياً، أما المسار الثاني، أي المفاوضات المباشرة أو اللقاء بين عون ونتنياهو، فيبقى أكثر تعقيداً، لأنه يتطلب غطاءً سياسياً داخلياً غير متوافر حالياً، فضلاً عن تداعياته الإقليمية.
ولكن السؤال الأهم هو ما إذا كان البيان يشكل "إنذاراً أخيراً"، في الواقع، يمكن قراءته كتصعيد في اللهجة الأميركية أكثر من كونه إنذارًا نهائيًّا. فهو يحمل عناصر ضغط واضحة من خلال تأكيد انتهاء "وقت التردد" وربط الفرصة الزمنية بالدور الأميركي لكنه في الوقت نفسه يترك هامشاً للمناورة عبر الحديث عن "فرصة" و"اختيار"؛ بمعنى آخر، واشنطن ترفع سقف التوقعات وتلوّح بإمكانية تغيير قواعد اللعبة، لكنها لا تغلق الباب أمام مسارات تدريجية أو حلول وسط.
وبناءً على هذه المعطيات قد يكون السيناريو الأكثر رجحاناً هو استمرار الضغط الأميركي لدفع لبنان نحو مفاوضات، لكن بصيغة مرحلية تبدأ بوساطة غير مباشرة، مع إبقاء خيار الانتقال إلى مسار مباشر قائماً كأداة ضغط مستقبلية، أكثر منه كخيار فوري قابل للتنفيذ.

