محمد علوش _خاص الأفضل نيوز
يتحرّك لبنان الرسمي اليوم على حافة مسارين حاسمين، مسار عربي يريد حصر السلاح وتطبيق الطائف والتروي بالتفاوض المباشر وعدم الحديث عن اتفاقات تطبيع أو سلام وعدم اللقاء مع نتانياهو، ومسار أميركي إسرائيلي يتقدّم بمنطق الضغط الأقصى وإعادة رسم قواعد الاشتباك السياسية والأمنية في المنطقة وحشر لبنان وفرض اللقاء بين عون ونتانياهو، بهدف إعادة تشكيل ميزان النفوذ في الشرق الأوسط كله.
في هذا التقاطع الحاد، تبدو السلطة في بيروت، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، تعيش ضغطًا غير مسبوق، فالضغط الأميركي لا يأتي فقط عبر القنوات الدبلوماسية، بل عبر شبكة متكاملة من الشروط، العسكرية، السياسية، الإصلاح المالي، نزع السلاح، إعادة تعريف دور الدولة في المنطقة وعلاقتها بإسرائيل، وتثبيت معادلات أمنية على الحدود الجنوبية. وفي خلفية كل ذلك، هناك قراءة أميركية واضحة مفادها أن أي تسوية في لبنان يجب أن تمرّ عبر إنهاء دور القوة غير الرسمية بالبلد أي المقاومة.
لكن هذه المقاربة الأميركية تصطدم بجدار لبناني داخلي شديد التعقيد، فالدولة بعد الطائف هي توازن هش بين قوى داخلية طائفية متناقضة، وبين خطوط تماس إقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد الذي لم ينته منذ ثلاث سنوات، ولذلك، لا تتصرف الرئاسة اللبنانية ضمن هامش مناورة واسع لان الواقع يقول إن هذا الهامش مشروط بالكامل، ومقيّد بقدرة الداخل على الاحتمال، وبقدرة الخارج على الضغط.
في هذا السياق، تتسلل التسريبات الإسرائيلية عن مواعيد مفترضة أو لقاءات محتملة بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين، أو ما يُشاع عن "11 أيار" كموعد مفترض للقاء عون ونتانياهو في واشنطن، وكل ذلك يشكل جزءًا من الحرب النفسية السياسية التي تدفع الضغط نحو لبنان مترافقًا مع تهديد عسكري بتوسيع الحرب.
إسرائيل تدرك أن مجرد طرح فكرة كسر المحرمات السياسية بين بيروت وتل أبيب يخلق ضغطًا داخليًا هائلاً، ويضع السلطة في موقع دفاعي أمام جمهور منقسم أصلا حول طبيعة العلاقة مع العدو الإسرائيلي.
لكن حتى الآن، لا يبدو أن هناك مسارًا رسميًا قابلاً للبناء عليه في هذا الاتجاه، فواشنطن تمارس دور الوسيط الذي يقف الى جانب إسرائيل، فهي من جهة تقول إنها تتفهم "خصوصية الوضع اللبناني"، لكنها في الوقت نفسه تربط أي دعم اقتصادي أو سياسي بقرارات سيادية حساسة جدا، وتهدد لبنان ضمنيًا بأن زمن التردد قد ولى، وكأنها تفترض أن الداخل اللبناني قادر على إنتاج قرارات كبرى بمعزل عن الوضع في المنطقة.
هذا التناقض بين خطاب التفهّم وممارسة الضغط هو ما يخلق الإرباك الحقيقي في بيروت، لأن الرسالة ليست واضحة، فهل المطلوب إجراءات تحت سقف الاستقرار، أم إعادة صياغة كاملة لمعادلات القوة ولو على حساب الانفجار الداخلي؟
المعضلة الأعمق أن كل طرف خارجي يتعامل مع لبنان كجزء من ملف أكبر، فواشنطن ترى فيه ورقة في صراع النفوذ الإقليمي والانتقال من ضفة الى ضفة، وإسرائيل تراه جبهة أمنية مفتوحة يجب إعادة ردعها وإنهاء قدرتها على الوقوف بوجه المشروع الإسرائيلي، فيما بعض العواصم العربية تنظر إليه كملف استقرار يجب عدم السماح بانهياره الكامل.

