طارق الحجيري - خاصّ الأفضل نيوز
مع تقدّم نقاش قانون العفو العام داخل اللجان النيابية، يتكرّر المشهد اللبناني ذاته، اصطفاف طائفي، انقسام سياسي، قلق شعبي، وأسئلة تُطرح بقوة حول العدالة والانتقائية. القانون الذي يُفترض أن يكون مدخلًا للإنصاف وطيّ صفحات الأزمات، يصبح ساحة تجاذبات تُحكمها الحسابات السياسية المصلحية لا المعايير القانونية.
استثناءات وارتياب
في صيغة القانون المتداولة، تبدو الاستثناءات أساسية لا تفصيلية. إذ يُستبعد "الإرهاب" والقتل العمد من أي عفو، مع الاكتفاء بتخفيضات محدودة لبعض الأحكام. لكن الإشكالية لا تقف عند مبدأ الاستثناء، بل تتعدّاه إلى غموض تعريف الجرائم وحدودها، وما هو الإرهاب، ما يفتح الباب أمام التأويل والتطبيق الانتقائي، ويُبقي احتمال استمرار الظلم قائماً.
الإسلاميون في قلب الجدل
يبرز ملف الموقوفين الإسلاميين كأحد أكثر النقاط حساسية. فشريحة واسعة ترى أنهم يدفعون ثمن تركيبات أمنية وسياسية، فيما تتصاعد المخاوف من استثنائهم مجدداً تحت عناوين فضفاضة.
تتعزّز هذه المخاوف عند مقارنة التشدد في هذا الملف والليونة في ملفات أخرى، كالمخدرات والفساد وسرقة المال العام، ما يطرح علامات استفهام حول ازدواجية المعايير.
في هذا السياق، يحذّر الشيخ السجين عمر الأطرش من استمرار "سياسة التسويف في قضيتهم" معتبراً أن أي عفو لا يشمل الإسلاميين يكرّس ظلماً ويعمّق الانقسام، وخاصة أنّ "بعض الإخوة السوريين في ذات الملفات تمّ إطلاق سراحهم".
رفض حازم
انعكس هذا التوجّه غضباً عند المرجعيات الدينية والسياسية السنية. وانسجامًا مع بيان دار الفتوى أكّد عدد من النواب استحالة تمرير قانون لا يشمل أبناءهم؛ فقد شدّد النائب حسن مراد على أن "معيار رجل الدولة هو الالتزام بسيادة القانون والمساواة"، رافضاً أي صيغة لا تشمل جميع الفئات أو تستثني الموقوفين الإسلاميين، "احترام القانون ليس خيارًا انتقائيًا، بل معيار واحد يطبق على الجميع" . بدوره أكّد النائب بلال الحشيمي أن العدالة "لا تُجزّأ ولا تخضع للتوازنات المذهبية والطائفية" ولن يمر قانون على حسابنا.
تداعيات مفتوحة
لا يمكن فصل هذا الملف عن تعقيدات التوازنات الطائفية، حيث يتحوّل القانون إلى ورقة تفاوض في بازار التسويات. أما شعبياً فإن إقرار قانون غير متوازن أو استمرار المماطلة سيزيد الغضب والاحتقان وقد يُفجر الشارع ويأخذه إلى الفوضى الأمنية.
في بلدنا المثقل بالحروب والأزمات، يأتي السؤال حازمّا: هل يأتي قانون العفو كخطوة نحو عدالة حقيقية وعقد وطني جامع، أم تسوية جديدة تُعيد إنتاج الأزمة وتدويرها بدل حلها ولمرة أخيرة؟.

