إلياس المر -خاصّ الأفضل نيوز
وسط هذا المشهد المركّب، يبدو لبنان كأنه عالق في نفق بلا مخارج واضحة، غير أنّ مقاربة تاريخية لمسار أزماته تكشف نمطاً متكرراً: كل خروج من الانهيار ارتبط بتوافر ثلاثة شروط متلازمة هي التوافق الداخلي، والمظلّة الإقليمية غير التصادمية، والإرادة الدولية الداعمة للاستقرار.
يُشكّل اتفاق الطائف المثال الأوضح على هذا الترابط. فبعد خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية، لم يكن ممكناً إنهاء الصراع بالقوة، بل عبر إعادة إنتاج السلطة على قاعدة تسوية داخلية بين القوى اللبنانية الأساسية.
هذا التوافق لم يكن ليبصر النور لولا احتضان إقليمي قادته المملكة العربية السعودية بدعم سوري مباشر، في لحظة تقاطع مصالح إقليمية ودولية مع نهاية الحرب الباردة. كما أنّ الإرادة الدولية، ولا سيما الأميركية، لعبت دور الضامن لتنفيذ الاتفاق، ما سمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة وإنهاء القتال.
يتكرر هذا النمط في اتفاق الدوحة، الذي جاء بعد أزمة داخلية كادت تنزلق إلى مواجهة مفتوحة، مرة جديدة، لم يكن الحسم ممكناً من دون تسوية داخلية أعادت تنظيم التوازن السياسي، في ظل مظلة إقليمية قادتها قطر وغطاء دولي ضمني سعى إلى منع انهيار الاستقرار اللبناني. ما يلفت في هذه المحطة أنّ التوافق لم يكن تعبيراً عن قناعة مشتركة بقدر ما كان استجابة لتوازن قوى فرض نفسه داخلياً وإقليمياً.
حتى في محطة اتفاق القاهرة، ورغم نتائجه الإشكالية لاحقاً، يظهر بوضوح تأثير العوامل الثلاثة. فقد جاء الاتفاق نتيجة تسوية داخلية هشّة حول الوجود الفلسطيني المسلح، برعاية إقليمية مصرية، وبقبول دولي ضمني في سياق صراع أوسع مع إسرائيل، غير أنّ غياب التوازن الحقيقي بين هذه العناصر، ولا سيما ضعف التوافق الداخلي، أدى لاحقاً إلى تفكك الصيغة وانفجار الصراع.
تُظهر هذه الشواهد أنّ أي عنصر من العناصر الثلاثة لا يكفي منفرداً. فالتوافق الداخلي من دون غطاء إقليمي يصبح عرضة للاهتزاز، كما أنّ التفاهمات الإقليمية من دون قبول داخلي تتحول إلى تسويات مفروضة سرعان ما تنهار. أما الإرادة الدولية، فحين تقتصر على إدارة الصراع بدل حله، فإنها تُبقي لبنان في حالة انتظار دائم.
انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم المأزق الراهن بوصفه غياباً متزامناً لهذه الشروط، الانقسام الداخلي العمودي يمنع إنتاج تسوية وطنية، فيما تتسم البيئة الإقليمية بتصادم حاد بين المحاور، وتتعامل القوى الدولية مع لبنان كجزء من إدارة أزمة أوسع لا كأولوية مستقلة.
وعليه، فإن الخروج من النفق لا يبدو ممكناً إلا بإعادة إنتاج هذه المعادلة الثلاثية؛ فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته، لا يستطيع الانعزال عن محيطه، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن أن يستقر من دون حد أدنى من التوافق الداخلي، بين هذين الحدّين، يبقى الرهان على قدرة اللبنانيين على تحويل لحظة الانكشاف الحالية إلى فرصة لإعادة صياغة عقد سياسي جديد، مدعوم بإرادة إقليمية تقوم على التقارب الإيراني السعودي الذي يبدو بعيداً إلاّ أنه أقرب في الواقع، حيث تتشابه المخاطر وتتناسق الأولويات الاستراتيجيّة، بالرغم من ضباب المرحلة، وإرادة دولية تقتنع أن في استقراره مصلحة، خاصة كعامل استقرار للدول أو مشاريع الدول المحاورة شرقاً وجنوباً، لا أن يبقى مجرد كرُة في لعبة الأمم، أو ورقة في ملف الآخرين على طاولة المفاوضات الكبرى.

