راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
تتحول منصات التواصل الاجتماعي في كل أزمة أمنية أو سياسية يعيشها لبنان إلى المصدر الأول للأخبار بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين، متقدمة أحياناً على وسائل الإعلام التقليدية. وخلال دقائق، ينتشر فيديو أو صورة أو تصريح ليصبح محور النقاش العام ويؤثر بشكل مباشر على المزاج الشعبي والمواقف السياسية. لكن وسط هذا التدفق السريع للمحتوى، تبرز إشكالية أساسية: هل تنقل السوشال ميديا الواقع كما هو، أم تعيد تشكيله وفق ما تفرضه الخوارزميات والانفعالات والاصطفافات السياسية؟
تفرض هذه الإشكالية نفسها بقوة مع كل تصعيد أو حدث أمني، خصوصاً بعدما بات المحتوى القصير والمشحون عاطفياً يحصد انتشاراً أوسع من التقارير المهنية أو المعلومات الموثقة. فالمشاهد الصادمة والخطابات الحادة والمقاطع المجتزأة تحقق نسب تفاعل مرتفعة، فيما تتراجع أحياناً أهمية التحقق والسياق الكامل لصالح السرعة وعدد المشاهدات.
يرى متخصصون في الإعلام الرقمي أن خوارزميات المنصات تعزز هذا الواقع، إذ تعطي الأولوية للمحتوى القادر على إثارة التفاعل، لا للمحتوى الأكثر دقة. وكلما ارتفعت مشاعر الخوف أو الغضب داخل المنشور، ازدادت فرص انتشاره ووصوله إلى عدد أكبر من المستخدمين، ما يساهم في تضخيم الانقسام والتوتر داخل المجتمع.
ويحذر خبراء نفسيون من التأثيرات الناتجة عن التعرض المستمر لمحتوى الحروب والعنف، خصوصاً لدى الشباب والمراهقين الذين يقضون ساعات طويلة على المنصات الرقمية. ويؤكدون أن التكرار اليومي لمشاهد القصف والخوف يخلق حالة من القلق الجماعي والاستنزاف النفسي، وقد يدفع بعض المستخدمين إلى الشعور الدائم بالتوتر أو فقدان الإحساس بالأمان.
ويلفت متخصصون في علم النفس الاجتماعي إلى أن الخوارزميات تدفع المستخدم تدريجياً نحو محتوى يشبه قناعاته السياسية والفكرية، ما يخلق “فقاعات رقمية” يعيش فيها الأفراد داخل رواية واحدة، بعيداً عن أي نقاش متوازن أو وجهات نظر مختلفة، الأمر الذي يعمّق الانقسام داخل المجتمع اللبناني.
ويشدد خبراء في التدقيق بالمعلومات على أن أخطر ما تفرضه منصات التواصل خلال الأزمات ليس فقط سرعة انتشار الأخبار، بل سرعة انتشار المعلومات المضللة قبل التحقق منها. ويوضحون أن إعادة نشر أي فيديو أو صورة خارج سياقها الزمني أو الجغرافي قد تساهم في خلق حالة هلع أو توجيه الرأي العام نحو استنتاجات خاطئة، خصوصاً مع تطور أدوات التلاعب بالصوت والصورة واستخدام الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته منصات التواصل في نقل معاناة المدنيين وكشف مشاهد لم تكن تصل بالسرعة نفسها عبر الإعلام التقليدي، إضافة إلى منح مساحة أوسع للصحافيين المستقلين وصناع المحتوى لنقل روايات مختلفة.
وتؤكد التجربة اللبنانية خلال الفترة الأخيرة أن المعارك لم تعد تُخاض فقط على الأرض أو في السياسة، بل أيضاً على الشاشات وداخل الهواتف الذكية. ومع كل حدث جديد، يتضح أكثر أن الرأي العام لم يعد يتشكل فقط عبر الوقائع، بل عبر الطريقة التي تُعرض بها هذه الوقائع وتُسوّق على منصات التواصل الاجتماعي.

