إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
في لحظة دولية شديدة الحساسية، ينعقد اجتماع دول BRICS وسط تحولات متسارعة فرضتها الحرب على إيران، وما رافقها من اهتزازات أمنية واقتصادية وجيوسياسية امتدت من الخليج إلى آسيا وأوروبا، ولم يعد هذا الاجتماع مجرد لقاء اقتصادي لدول ناشئة تسعى إلى تحسين شروطها داخل النظام العالمي، بل بات منصة سياسية تحاول اختبار قدرتها على لعب دور موازٍ للغرب في إدارة الأزمات الدولية وصياغة التوازنات الجديدة.
الحرب على إيران شكّلت نقطة مفصلية في إدراك دول البريكس لطبيعة المرحلة المقبلة؛ فالتصعيد الأميركي – الإسرائيلي لم يُقرأ فقط كعملية عسكرية مرتبطة بالملف النووي الإيراني، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة تثبيت الهيمنة الغربية على النظام الدولي ومنع انتقال العالم نحو التعددية القطبية.
من هنا، اكتسب الاجتماع الحالي أهمية استثنائية، لأنه يأتي في ظل شعور متزايد لدى موسكو وبكين ودول أخرى بأن أي سقوط استراتيجي لإيران سيؤدي إلى اختلال كبير في موازين القوى الإقليمية والدولية.
أبرز مفاعيل الاجتماع يتمثل في محاولة إنتاج موقف سياسي موحد يرفض استخدام القوة العسكرية كأداة لفرض الوقائع الجيوسياسية، ويدعو إلى العودة للمسارات الدبلوماسية والتفاوضية.
كما تسعى دول البريكس إلى تعزيز التنسيق المالي والاقتصادي فيما بينها لتقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي، خصوصاً بعد استخدام العقوبات كسلاح سياسي ضد روسيا وإيران ودول أخرى، وهذا ما يفسر تنامي الحديث داخل المجموعة عن توسيع التعامل بالعملات الوطنية، وتطوير دور بنك التنمية الجديد كبديل جزئي للمؤسسات المالية التقليدية الخاضعة للنفوذ الأميركي.
أما على مستوى الصراعات الجيوسياسية، فإن الاجتماع يعكس بداية تشكل محور دولي أكثر وضوحاً في مواجهة الأحادية الغربية، لكنه في الوقت نفسه يكشف التباينات داخل البريكس نفسها؛ فالهند مثلاً تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين شراكتها مع الغرب وعلاقاتها مع روسيا والصين، فيما تفضل بعض الدول الخليجية المنضمة حديثاً اعتماد مقاربة براغماتية لا تصل إلى حد القطيعة مع واشنطن؛ لذلك، فإن قدرة البريكس على التحول إلى تحالف سياسي متماسك ما تزال مرتبطة بمدى نجاحها في تجاوز تناقضاتها الداخلية.
ما بعد الحرب على إيران لن يكون كما قبلها؛ فحتى لو تم التوصل إلى تفاهمات سياسية أو هدنة طويلة، فإن العالم دخل عملياً مرحلة إعادة رسم النفوذ الدولي، الولايات المتحدة ستسعى إلى تثبيت معادلات ردع جديدة في الشرق الأوسط، بينما ستعمل الصين وروسيا على استثمار نتائج الحرب لتسريع الانتقال نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وفي هذا السياق، يبدو اجتماع البريكس أشبه بإعلان غير مباشر عن ولادة مرحلة دولية جديدة، عنوانها الأساسي: الصراع على شكل النظام العالمي المقبل، ومن يمتلك القدرة على قيادته أو تعطيل هيمنة الطرف الآخر عليه، ومن هناك يبزر التحدي الأكبر حول مستقبل البريكس، هل سيبقى شاهد يوثق انتهاكات الطرف الآخر أو سينجح بقيادة مرحلة انتقالية إلى عالم أكثر توازنًا.

