محمد علوش _خاصّ الأفضل نيوز
بسبب الحرب على إيران تخطت زيارة دونالد ترامب إلى الصين إطار المنافسة الاقتصادية التقليدية بين القوتين الأكبر في العالم، لأن ما يجري فعلياً يتجاوز مسألة الرسوم الجمركية أو التبادل التجاري أو حتى الصراع على التكنولوجيا، ليدخل مباشرة في قلب المعركة على شكل النظام الدولي المقبل، وعلى من يملك القدرة على التحكم بمفاصل الطاقة والتجارة والممرات البحرية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
هنا تحديداً يصبح الملف الإيراني جزءاً أساسياً من المشهد، باعتباره العقدة التي تتقاطع عندها المصالح الأميركية والصينية والروسية والخليجية في آن واحد.
تدرك واشنطن اليوم أن إيران لم تعد مجرد دولة تعاند السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أو تقف بوجه المشروع الإسرائيلي، بل تمثل نقطة ارتكاز جغرافية وسياسية تملك القدرة على تهديد واحد من أخطر الشرايين الاقتصادية في العالم، أي مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة هائلة من تجارة النفط والغاز العالمية.
لهذا السبب لم تعد المواجهة محصورة بعنوان منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لأن الهدف الفعلي بات أوسع بكثير، ويتعلق بإسقاط قدرة طهران على استخدام الجغرافيا كسلاح ردع استراتيجي في أي مواجهة كبرى.
من هنا يمكن فهم التصعيد الأميركي المتدرج في المنطقة بعد فشل العملية العسكرية، ومحاولات بناء تحالفات بحرية وعسكرية تحت شعار حماية الملاحة الدولية وحرية التجارة. فالأميركيون يعرفون أن أي تهديد إيراني بإقفال المضيق أو حتى بزعزعة أمنه يكفي وحده لإرباك الاقتصاد العالمي ورفع أسعار الطاقة بشكل هائل، بما ينعكس مباشرة على أوروبا وآسيا والأسواق الأميركية نفسها. لذلك تحاول واشنطن أن تحول معركة مضيق هرمز إلى قضية دولية، لا تبدو فيها الولايات المتحدة وكأنها تدافع عن مصالحها وحدها، بل عن النظام العالمي كله.
لكن المفارقة الأساسية هنا أن الحديث يجري عن فتح مضيق لم يكن مغلقاً أصلاً. وهذا ما يكشف أن جوهر المعركة الآن هو نزع الورقة الأخطر من يد إيران، أي قدرتها على تهديد تدفق الطاقة العالمية ساعة تشاء، تمهيدًا لإضعافها وإعادة ضربها. فإيران تدرك أن ميزان القوة العسكري التقليدي لا يميل لمصلحتها أمام الولايات المتحدة، لذلك بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها على تحويل الجغرافيا إلى عنصر ردع، انطلاقاً من موقعها المطل على الخليج ومضيق هرمز، وصولاً إلى شبكة النفوذ الإقليمي التي تحيط بالمصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
في المقابل، تبدو الصين أمام معضلة، فهي من جهة تحتاج إلى استقرار المنطقة لأن اقتصادها يعتمد بشكل أساسي على تدفق الطاقة من الخليج، لكنها من جهة أخرى تدرك أن نجاح واشنطن في فرض سيطرة كاملة على الشرق الأوسط سيمنحها قدرة هائلة على التحكم بالشريان الاقتصادي الذي يغذي الصناعة الصينية نفسها. لهذا تنظر بكين إلى أي مشروع أميركي لإعادة ترتيب المنطقة بحذر شديد، لأنها تعرف أن خسارة إيران أو إخضاعها بالكامل سيشكل تحولاً استراتيجياً يطوق الصين من جهة الطاقة والتجارة البحرية معاً.
هنا تحديداً تأخذ زيارة ترامب أهميتها، فالرجل لا يذهب إلى الصين لمحاولة رسم تفاهمات جديدة حول شكل الصراع العالمي المقبل. الأميركيون يريدون إغراء بكين باتفاقات اقتصادية واستثمارات وتخفيف ضغوط، مقابل تخفيف دعمها السياسي والاقتصادي والعسكري لإيران، أو على الأقل دفعها إلى الوقوف على الحياد في أي مواجهة كبيرة قد تقع في المنطقة انطلاقا من الحشد القانوني لفتح مضيق هرمز عبر قرار لمجلس الأمن وبالقوة.
لكن الصين تدرك أن هذه العروض الأميركية قد تكون ظرفية ومؤقتة، بينما النتائج الاستراتيجية بعيدة المدى ستكون أكثر خطورة عليها إذا تحولت واشنطن إلى القوة المهيمنة بالكامل على الشرق الأوسط.

