ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
مع بدء المهلة الممدّدة لوقف إطلاق النار فجر الإثنين، بدا الجنوب اللبناني وكأنه يقف فوق خط رفيع يفصل بين تثبيت تهدئة هشة وبين الدخول في مرحلة جديدة من إعادة رسم الخرائط العسكرية والسياسية على الحدود مع إسرائيل. فالاتصالات اللبنانية الأميركية التي تكثفت في الساعات الأخيرة لا تدور فقط حول وقف الغارات أو تثبيت الهدنة، بل حول شكل الجنوب المقبل: جنوب ما بعد الحرب، وما بعد سلاح حزب الله، وما بعد قواعد الاشتباك التي حكمت الحدود منذ العام 2006.
في المعلومات، فقد نُقلت من عين التينة إلى بعبدا رسالة تؤكد استعداد حزب الله لإطلاق تعهد علني بوقف إطلاق النار مع بدء المهلة الجديدة، شرط التزام إسرائيل الكامل بوقف العمليات العسكرية واستهداف المدنيين والبنى التحتية. وقد نقل لبنان هذه الرسالة إلى واشنطن في إطار المساعي الجارية بعد الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة، في محاولة لإثبات أن الجانب اللبناني مستعد للذهاب بعيداً في تثبيت التهدئة إذا التزم الطرف الآخر.
وفي موازاة ذلك، تشير المعطيات إلى أن فترة التمديد الحالية لن تكون مجرد مهلة تقنية، بل مرحلة تأسيسية لما بعد وقف النار. إذ سيتم خلالها العمل على تثبيت آلية تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، على أن يلتزم بها كل من إسرائيل وحزب الله، بالتوازي مع التحضير للاجتماع الأمني المرتقب في وزارة الحرب الأميركية في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، والذي يُتوقع أن يشكل محطة مفصلية في رسم معالم المرحلة المقبلة جنوباً.
الاجتماع الأمني، وفق المعلومات، لن يقتصر على تثبيت الهدنة، بل سيتناول ملفات أكثر حساسية، أبرزها حصر السلاح، وآليات تقوية الألوية القتالية في الجيش اللبناني، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية. كذلك سيُبحث في كيفية تفعيل آلية مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار، الميكانيزم، ولا سيما في ما يتعلق بآليات التحقق المستقلة ومراقبة التنفيذ بعيداً عن الصيغ التقليدية التي حكمت عمل اليونيفيل خلال السنوات الماضية.
وفي موازاة المسار الأمني، يجري العمل أيضاً خلال فترة التمديد على استكمال صياغة بيان إعلان النوايا بين لبنان وإسرائيل، وهو بيان لا يُتوقع صدوره في الأيام القليلة المقبلة، لكنه سيحدد عملياً الخطوط الحمر لكلا الطرفين وما يريده كل منهما من الآخر، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة سياسية أكثر وضوحاً.
لكن خلف هذا المسار الدبلوماسي، ثمة واقع ميداني مختلف تماماً يتشكل جنوباً. فإسرائيل، وفق القراءة اللبنانية، لا تتحرك على قاعدة العودة إلى ما قبل الحرب، بل على قاعدة فرض وقائع أمنية جديدة. الحديث الإسرائيلي عن الخط الأصفر كمنطقة أمنية تبعد نحو عشرة كيلومترات عن الحدود، هدفها إبعاد الأسلحة المضادة للدروع عن الداخل الإسرائيلي، لا يبدو مجرد توصيف عسكري عابر، بل عنواناً لمشروع أوسع يرسم شريطاً أمنياً غير معلن يمتد بمحاذاة الحدود اللبنانية. واقع يراقبه لبنان بقلق شديد وعدم ثقة بالنوايا الإسرائيلية البعيدة المدى في تلك المنطقة.
وفي العمق، لم تعد المعركة تدور فقط حول وقف إطلاق النار، بل حول اليوم التالي له. فإسرائيل، وفق ما أبلغ وفدها في مفاوضات واشنطن، غير مستعدة للانسحاب قبل الوصول إلى ما تعتبره تحييداً عسكرياً لحزب الله.
السيناريوهات المطروحة في الكواليس تتراوح بين ثلاثة مسارات مترابطة: أولها تثبيت منطقة عازلة غير معلنة تحت الضغط العسكري، وثانيها إنشاء آلية مراقبة دولية أكثر تشدداً تتجاوز عملياً الدور التقليدي لليونيفيل، وثالثها الذهاب تدريجياً نحو تحييد حزب الله عسكرياً بشكل نهائي عن الجبهة الجنوبية.
غير أن لبنان يدرك أن أي فرض لأي من هذه الطروحات قد يعني الانتقال من وقف حرب إلى تثبيت احتلال مقنّع. فالمعضلة لم تعد فقط في وقف النار، بل في طبيعة التسوية التي ستولد منه: هل تكون تسوية تعيد السيادة اللبنانية الكاملة إلى الجنوب، أم تسوية تنتج حدوداً أمنية جديدة تتحكم بها إسرائيل بالنار والمراقبة والضغط الميداني؟
وبينما تحاول واشنطن دفع الأطراف نحو تثبيت التهدئة، يبدو الجنوب أمام لحظة مفصلية نادرة: لحظة تختلط فيها خرائط الميدان بمفاوضات السياسة، ويتحول فيها وقف إطلاق النار من بند أمني مؤقت إلى مدخل لإعادة رسم التوازنات في لبنان والمنطقة بأسرها.

