ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
لم يعد سؤال "متى الفرحة الكبيرة؟" في لبنان يُطرح بخفة كما في السابق، بل بات بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب أقرب إلى سؤال اقتصادي ثقيل، مرتبط بسعر صرف الدولار، وكلفة الإيجارات، وفرص العمل، وحتى بإمكانية البقاء داخل البلاد. ففي عام 2026، لم يعد تأخر سن الزواج مجرد تبدّل اجتماعي عابر، بل تحوّل إلى ظاهرة واضحة تعكس عمق الأزمة اللبنانية وتغيّر شكل المجتمع تدريجياً.
وبحسب تقديرات وبيانات متقاطعة صادرة عن "الدولية للمعلومات" ارتفع متوسط سن الزواج الأول في لبنان خلال عام 2026 ليقترب من 32 إلى 35 عاماً لدى الرجال، فيما يتراوح بين 29 و34 عاماً لدى النساء، ما يضع لبنان بين الدول العربية الأعلى من حيث تأخر سن الزواج.
لكن الأرقام وحدها لا تكشف الصورة الكاملة. ففي بيروت تحديداً، بات كثير من الشباب يعتبرون أن الزواج يحتاج إلى "رأس مال" لا إلى مجرد شريك حياة. ووفق معلومات خاصة حصل عليها "الأفضل نيوز" من أصحاب صالات أفراح ومنظمي حفلات وخبراء في القطاع، فإن كلفة زواج يُصنف "صغير" في لبنان عام 2026 تتراوح بين 18 و35 ألف دولار أميركي، تبعاً للمنطقة وعدد المدعوين وطبيعة الحفل.
وتتوزع هذه الكلفة تقريباً على الشكل الآتي: قاعة وحفل زفاف بين 8 و15 ألف دولار، فستان وتجهيزات بين 2500 و6000 دولار، شهر عسل يبدأ من 3000 دولار، إضافة إلى إيجار منزل أو دفعة أولى للسكن قد تتجاوز وحدها 20 ألف دولار في بعض المناطق، من دون احتساب الأثاث والكهرباء والاشتراكات والمولدات والرسوم اليومية التي باتت تُرهق أي ثنائي قبل حتى بدء الحياة المشتركة.
وفي مقارنة مع عامي 2024 و2025، تشير تقديرات اجتماعية واقتصادية إلى أن كلفة الزواج ارتفعت بما يتراوح بين 25 و40 بالمئة خلال أقل من عامين، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الذهب والخدمات الفندقية والإيجارات والتكاليف التشغيلية المرتبطة بالحفلات. كما سجّل لبنان استمراراً في تراجع معدلات الزواج مقارنة بمرحلة ما قبل الانهيار الاقتصادي، بعدما كانت النسبة قد انخفضت أساساً بنحو 18 بالمئة بين 2018 و2022.
وفي المقابل، تغيّر مفهوم الزواج نفسه لدى جيل كامل من اللبنانيين. فالكثير من الشابات لم يعدن يعتبرن الزواج أولوية أولى، بل بات الاستقرار المهني والسفر والهجرة وتحقيق الاستقلال المالي يتقدّم على فكرة تأسيس العائلة. أما الشباب، فجزء كبير منهم يؤجل القرار إلى أجل غير معروف بسبب غياب الأمان الوظيفي والخوف من الانهيارات المتكررة.
وتكشف مصادر اجتماعية خاصة لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "عدداً متزايداً من حفلات الزفاف في لبنان بات يُقام بتمويل من المغتربين أو أفراد العائلة في الخارج، فيما تشهد السوق ارتفاعاً ملحوظاً في حفلات "الميني ويدينغ" والاحتفالات الصغيرة التي تضم أقل من 80 شخصاً، بعدما كانت الأعراس اللبنانية تُعرف بالبذخ وعدد الضيوف الكبير."
كما برزت ظاهرة جديدة خلال العامين الأخيرين تتمثل بارتفاع نسبة "الخطوبات الطويلة الأمد" حيث يبقى الثنائي مخطوباً لسنوات بانتظار تحسن الظروف أو تأمين فرصة سفر أو شراء منزل. وبحسب متابعين للملف الاجتماعي، فإن جزءاً من الشباب اللبناني بات يعتبر أن الزواج من دون هجرة أو دخل بالدولار يشبه "قفزة في المجهول".
اللافت أن هذا التحول لا يقتصر على الطبقات الفقيرة أو المتوسطة فقط، بل يمتد حتى إلى الفئات الميسورة نسبياً، إذ تغيّرت الأولويات وأنماط الحياة، وتراجع الضغط العائلي التقليدي الذي كان يدفع نحو الزواج المبكر، خصوصاً في المدن الكبرى.
وفي وقت كان اللبناني يتزوج في أوائل العشرينيات قبل عقود، يبدو أن جيل 2026 يعيش معادلة مختلفة تماماً: الحب موجود، لكن القدرة على تحويله إلى "مشروع حياة" أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. وبين الخوف من المستقبل وغلاء المعيشة والهجرة المستمرة، يتحول الزواج تدريجياً من محطة طبيعية في حياة اللبنانيين إلى قرار مؤجل... وربما مؤجل جداً.

