إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
في لحظة دولية شديدة الحساسية، جاءت زيارة الرئيس بوتين إلى الصين لتؤكد أن العالم يتجه أكثر فأكثر نحو تثبيت نظام دولي متعدد الأقطاب، بعيداً عن مرحلة الهيمنة الأحادية التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة، فالزيارة لم تكن بروتوكولية أو اقتصادية فحسب، بل حملت أبعاداً استراتيجية تتصل بإعادة رسم موازين القوى العالمية، في وقت يحتدم فيه الصراع الدولي من فنزويلا إلى إيران، مروراً بالحرب الروسية – الأوكرانية، وصولاً إلى التوترات المفتوحة في الشرق الأوسط.
وتكتسب الزيارة أهمية مضاعفة من دلالات توقيتها، إذ جاءت بعد ساعات فقط من زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، في مشهد يعكس بوضوح أن بكين أصبحت مركز الثقل الدولي الجديد، وأن القوى الكبرى باتت تتنافس على التموضع في ساحتها السياسية والاقتصادية. وفيما حاولت واشنطن استعادة بعض النفوذ عبر فتح قنوات تفاوض مع الصين، جاءت موسكو لتؤكد أن شراكتها مع بكين ليست ظرفية، بل استراتيجية وعميقة ومبنية على رؤية مشتركة لعالم متعدد الأقطاب.
اقتصادياً، تشكل العلاقات الروسية – الصينية اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد العالمي الجديد. فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين حاجز 240 مليار دولار خلال العام الماضي، فيما باتت الصين الشريك التجاري الأول لروسيا. أما في قطاع الطاقة، فقد تحولت موسكو إلى أحد أكبر موردي النفط والغاز إلى الصين، مع صادرات نفطية تقدر بأكثر من مليوني برميل يومياً في بعض الفترات، إضافة إلى مشاريع الغاز العملاقة وعلى رأسها خط “قوة سيبيريا”. وفي المقابل، توفر الصين لروسيا سوقاً ضخمة ومستقرة، بما يخفف من تأثير العقوبات الغربية ويؤسس لمنظومة اقتصادية موازية للنظام المالي الغربي.
وفي هذا السياق، يبدو التعاون في ملف الطاقة حجر الأساس في العلاقة بين البلدين؛ فروسيا تحتاج إلى مستهلك موثوق فيه قادر على استيعاب صادراتها الضخمة، بينما تحتاج الصين إلى مورد مستقر بعيد عن الابتزاز السياسي والاضطرابات الجيوسياسية. ومن هنا، تتجاوز العلاقة البعد التجاري لتصبح جزءاً من الأمن القومي للطرفين.
أما على مستوى الشرق الأوسط، فإن الزيارة تحمل انعكاسات مباشرة على الصراع المفتوح من إيران إلى لبنان؛ فكل من موسكو وبكين تنظران إلى المنطقة باعتبارها ساحة أساسية في مواجهة النفوذ الأميركي، وفي ظل التصعيد المستمر مع إيران، يدرك الطرفان أن أي انفجار واسع في الخليج ستكون له تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة الدولية.
ومن هنا تبرز أهمية مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً حيوياً لتجارة النفط العالمية، فالصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم، ترى في استقرار المضيق ضرورة استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه ترفض أي محاولة أميركية لفرض سيطرة عسكرية مطلقة عليه، أما روسيا، فتنظر إلى المضيق من زاوية توازن القوى الدولية، وترفض استخدامه كأداة ضغط أو حصار ضد إيران، لما قد يسببه ذلك من انفجار إقليمي واسع يهدد الأمن العالمي.
أما في لبنان فكلا الجانبين لا ينظران بارتياحٍ حيال محاولات جرّه باتجاه الحضن الأميركي عبر العصا الإسرائيلية، وينظران بعين الريبة إلى مسارٍ يبدو فيه "موقف لبنان ضعيفًا، تُفرَض عليه إملاءات لا تناسب مصالحه الاستراتيجية" بحسب مصادر ديبلوماسيّة رفيعة، ترى أنه "من الضروري الذهاب نحو استقرار طويل الأمد، ليس بالإذعان والتنازل عن المكتسبات والحقوق الأساسيّة" وترى كل المصادر "أن مصلحة لبنان تكمُن بالاستفادة من توازنٍ مجدي في سياسته الخارجيّة، يحفَظ له حقوقه ويؤمّن مصالحه الاستراتيجيّة" .
في المحصلة، تؤكد زيارة بوتين إلى الصين أن العالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل كبرى للنظام الدولي، حيث تتقدم الشراكات الشرقية بثبات نحو بناء توازن عالمي جديد. وبينما تتصاعد الصراعات من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، تبدو موسكو وبكين مصممتين على تثبيت معادلة جديدة عنوانها: التعددية، الشراكة، وكسر الاحتكار الغربي للقرار الدولي.

