ندى أندراوس - خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد الجنوب يُناقش فقط من زاوية وقف النار أو تثبيت الهدوء الحدودي، بل بات في قلب مشروع أمني واسع تقوده واشنطن لإعادة ترتيب المشهد العسكري على الحدود مع إسرائيل. الاجتماع المرتقب في البنتاغون بين الوفود الأميركية واللبنانية والإسرائيلية لا يشبه الاجتماعات العسكرية التقليدية التي كانت تشهدها الناقورة، لأن النقاش هذه المرة يتصل مباشرة بشكل الجنوب في مرحلة ما بعد الحرب، وبالجهة التي ستملأ الفراغ الميداني والأمني في حال تبدلت الوقائع على الأرض.
الوفد اللبناني، وفق معلومات عسكرية للأفضل نيوز لا يحمل معه مقاربة تقنية ضيقة، بل تصوراً عملياً لكيفية ترجمة أي تفاهم سياسي إلى ترتيبات ميدانية. ولهذا السبب، يضم الوفد ضباطاً من قيادة الجيش ومديرية العمليات والمخابرات ومكتب القانون الدولي والإنساني، بالإضافة الى الملحق العسكري في واشنطن في إشارة إلى أن البحث يتناول خرائط الانتشار وقواعد الاشتباك وآليات إدارة المرحلة المقبلة.
الطرح اللبناني يرتكز على قاعدة أساسية: أي تثبيت فعلي للتهدئة يجب أن يقود تلقائياً إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي ما تزال محتلة، بما يسمح بعودة الأهالي وإطلاق مسار إعادة الإعمار، على أن يتولى الجيش اللبناني الانتشار الكامل جنوب الليطاني وتعزيز حضوره على طول المنطقة الحدودية. أما إذا تعثر الانسحاب السريع، فإن المؤسسة العسكرية تقترح صيغة تدريجية تبدأ بانتشار الجيش في المناطق غير المحتلة، على أن يتوسع هذا الانتشار بالتوازي مع أي انسحابات إسرائيلية لاحقة.
لكن العقدة الفعلية لا تكمن في الانتشار بحد ذاته، بل في طبيعة الجنوب الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه بعد الحرب. فتل أبيب لا تتعامل مع الملف باعتباره ترتيبات حدودية مؤقتة، بل باعتباره فرصة لإعادة صياغة الواقع الأمني بالكامل، عبر فرض منطقة خالية من أي بنية قتالية مرتبطة بـحزب الله جنوب الليطاني، والحصول على ضمانات طويلة الأمد تمنع إعادة ترميم قدراته العسكرية.
من هنا، تبدو واشنطن وكأنها تدفع نحو هندسة أمنية جديدة يكون الجيش اللبناني عمادها الأساسي، باعتباره الجهة الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الميداني. غير أن المؤسسة العسكرية اللبنانية تحاول رسم حدود واضحة لدورها، فهي تتحمل مسؤولية ضبط الجنوب وإزالة أي مظاهر مسلحة خارجة عن سلطة الدولة، لكنها ترفض في المقابل الانخراط في مواجهة داخلية مباشرة أو التحول إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية.
وفي هذا السياق، تكشف المعلومات أن أي طرح يتعلق بتشكيل قوة خاصة تتولى ملف نزع سلاح الحزب يلقى اعتراضاً واضحاً داخل المؤسسة العسكرية، انطلاقاً من قناعة بأن مثل هذا المسار قد يدفع البلاد نحو انفجار داخلي ويضع الجيش في مواجهة مع بيئته الوطنية، بما يفقده موقعه كضامن للاستقرار.
لذلك، يسعى الوفد اللبناني إلى تثبيت معادلة مختلفة قوامها خطوة مقابل خطوة: انسحاب إسرائيلي تدريجي يقابله انتشار لبناني متدرج، مع تشديد الرقابة الأمنية جنوب الليطاني ومنع أي واقع مسلح خارج إطار الشرعية، من دون الانزلاق إلى صدام داخلي مفتوح.
أما الأميركيون، فيبدون أكثر استعجالاً لبلورة نموذج أمني جديد يطمئن إسرائيل أولاً، فيما يتمسك لبنان بربط أي ترتيبات ميدانية بضمانات سيادية واضحة وجدول زمني للانسحاب. وبين هذين المسارين، يبدو الجنوب مقبلاً على مرحلة طويلة من إدارة التوازنات الدقيقة، لا على تسوية نهائية سريعة.

