ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
لا تبدو العقوبات الأميركية الأخيرة على لبنان حدثاً مالياً أو إدارياً عادياً، بل يبدو أنها بداية مرحلة ضغط سياسي وأمني منظم يسبق جولات التفاوض اللبناني الإسرائيلي العسكرية والسياسية المرتقبة في واشنطن. والأخطر فيها ليس فقط استهداف شخصيات من حزب الله، بل توجيه الضربة مباشرة إلى الحلقة الأكثر التصاقاً برئيس مجلس النواب نبيه بري، وإلى المؤسسة العسكرية والأمنية، بما يحمل رسائل تتجاوز الأسماء نحو إعادة رسم قواعد المرحلة المقبلة.
اللافت في العقوبات إدراج أحمد بعلبكي وأحمد صفاوي، وهما من أكثر الشخصيات قرباً من بري داخل البنية التنظيمية والأمنية لحركة أمل. فبعلبكي يتولى عملياً أعلى مسؤولية أمنية داخل الحركة، فيما يُعد صفاوي من مسؤولي الإعداد والتنظيم الميداني في الجنوب، أي في المنطقة الأكثر حساسية على تماس مع إسرائيل ومع ملف التفاوض.
هنا تكمن خطورة الرسالة الأميركية. فواشنطن لا تستهدف شخصيتين ثانويتين، بل تضرب الحلقة التي تدير التنسيق الأمني والسياسي والميداني داخل أمل، وتحديداً في البيئة الجنوبية المرتبطة مباشرة بملف الحدود، والقرار الميداني، والعلاقة مع حزب الله.
في القراءة السياسية، تبدو الرسالة إلى بري واضحة: "مرحلة المساكنة السابقة انتهت". فالإدارة الأميركية تعتبر أن رئيس المجلس لا يزال يمسك بمفاتيح أساسية داخل البيئة الشيعية، وأنه القادر على تسهيل أو تعطيل أي مسار تفاوضي مقبل، سواء في الشق العسكري أو السياسي. لذلك جاء استهداف المقربين منه بمثابة ضغط مباشر لدفعه نحو مرونة أكبر في الملفات المقبلة، من التفاوض المباشر، إلى مستقبل قانون تجريم التواصل مع إسرائيل، وصولاً إلى مسألة سلاح حزب الله جنوب الليطاني.
لكن الرسالة الأخطر ربما لم تكن إلى بري وحده، بل إلى الجيش والأمن العام، ومن خلفهما رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. فإدراج العقيد سامر حمادة والعميد خطار ناصر الدين على لوائح العقوبات، قبل أيام من الاجتماع العسكري في واشنطن، يحمل دلالة شديدة الحساسية: واشنطن تريد إعادة رسم حدود العلاقة بين المؤسسات الأمنية اللبنانية وبين حزب الله، وتقول عملياً إن أي مستوى من التنسيق أو تبادل المعلومات أو التساهل الميداني بات تحت المجهر الأميركي المباشر.
بحسب ما أفادت مصادر سياسية مطلعة للأفضل نيوز، فإن بعبدا قرأت العقوبات كرسالة مبكرة إلى العهد نفسه، مفادها أن واشنطن تنتظر خطوات عملية لا التزامات نظرية فقط، سواء في ما يتعلق بحصرية السلاح أو بضبط الجنوب أو بمسار التفاوض.
لذلك جاء موقف الجيش والأمن العام سريعاً دفاعاً عن الضابطين وعن المؤسسة، خشية تكريس سابقة تسمح مستقبلاً بوضع المؤسسة العسكرية نفسها تحت الضغط السياسي الخارجي.
وتخشى مراجع رسمية من أن تتحول العقوبات إلى أداة تفاوض بحد ذاتها، تسبق كل جولة سياسية أو أمنية مقبلة. فقبل اجتماع البنتاغون العسكري في 29 أيار الحالي، ثم جولة التفاوض السياسية برئاسة السفير سيمون كرم في الثاني والثالث من حزيران المقبل، بدا واضحاً أن واشنطن دخلت المفاوضات من بوابة الضغط المسبق، واضعة الدولة اللبنانية كلها أمام معادلة جديدة: التقدم في المسار المطلوب أميركياً، أو فتح باب عقوبات أوسع وأشد إيلاماً.

