طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
قبل أيام من اجتماعات المسار الأمني المقررة في 29 الجاري في البنتاغون، دخلت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل مرحلة شديدة الحساسية، بعدما قررت الولايات المتحدة الأميركية توسيع دائرة العقوبات لتشمل نواباً في "حزب الله"، ومسؤولَين أمنيين لبنانيين اثنين، ومقرّبين من رئيس مجلس النواب نبيه بري، إضافة إلى السفير الإيراني في بيروت. فهذه الخطوة لم تُقرأ لبنانياً باعتبارها إجراءً مالياً أو سياسياً عادياً، بل كرسالة ضغط أميركية متقدمة تسبق جولة جديدة من التفاوض الأمني والسياسي بين الجانبين برعاية واشنطن.
جاءت العقوبات الأميركية الأخيرة في توقيت بالغ الدلالة. فواشنطن أعلنت بوضوح أن المستهدفين متهمون بـ"عرقلة عملية السلام" و"إعاقة نزع سلاح حزب الله"، وهو توصيف يكشف أنها باتت تربط أي تقدم في التفاوض مع إسرائيل بمسألة إعادة صوغ التوازن الأمني الداخلي في لبنان.
وحسب المعطيات المتداولة في بعض الأوساط الدبلوماسية، فإن المفاوضات الجارية تنقسم فعلياً إلى مسارين متوازيين:
الأول أمني ـ عسكري، يركز على تثبيت وقف النار جنوباً، وترتيبات الحدود، وانتشار الجيش اللبناني، وضبط أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة. أما المسار الثاني فهو سياسي ـ استراتيجي، ويتناول مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل ضمن تصور أميركي أوسع يهدف إلى دمج لبنان تدريجياً في معادلة "الاستقرار الإقليمي" التي تقول واشنطن إنها تعمل على تكريسها بعد حرب غزة والحرب ضد إيران.
في هذا السياق، تبدو العقوبات وكأنها جزء من عملية "هندسة سياسية" للداخل اللبناني، هدفها دفع المؤسسات الرسمية إلى الابتعاد مسافة كبيرة جداً عن "حزب الله". فاللافت أن العقوبات طاولت للمرة الأولى ضابطين من الجيش اللبناني والأمن العام يتوليان منصبين حساسين، في إشارة أميركية إلى أن واشنطن لم تعد تميز بين الحزب وبيئته السياسية والأمنية الحاضنة إذا رأت أن هذه البيئة تعرقل مشروعها التفاوضي.
لكن هذه المقاربة تحمل في طياتها مخاطر معاكسة. إذ تعتبر قوى لبنانية عدة أن الضغط الأميركي المفرط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعزيز خطاب "حزب الله" القائل إن المفاوضات ليست تقنية أو حدودية، بل محاولة لإعادة تشكيل لبنان سياسياً وأمنياً بما يخدم إسرائيل. وقد سارع الحزب إلى وصف العقوبات بأنها "محاولة ترهيب" للمؤسسات اللبنانية عشية المفاوضات المرتقبة.
وفي المقابل، تدرك واشنطن أن أي تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن ينجح من دون غطاء داخلي يوفره رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي ما زال يمثل القناة السياسية الأكثر قدرة على إدارة التوازن بين الدولة و"حزب الله". ولذلك، فإن استهداف مساعدين مقرّبين من بري بالعقوبات يُقرأ أيضاً كرسالة ضغط مزدوجة: إما تسهيل المفاوضات وفق السقف الأميركي، أو مواجهة عزلة سياسية ومالية متصاعدة.
أما إسرائيل، فتتعامل مع المفاوضات باعتبارها فرصة تاريخية لتغيير قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن تل أبيب ستطالب بـ"ضمانات أمنية" تتجاوز القرار 1701، وتشمل عملياً تقليص البنية العسكرية لـ"حزب الله" جنوب الليطاني، وربما إنشاء آلية رقابة أمنية طويلة الأمد بإشراف أميركي مباشر.
غير أن المأزق الحقيقي يكمن في التناقض الجوهري بين الرؤية الأميركية ـ الإسرائيلية والرؤية اللبنانية الرسمية.
فلبنان يريد مفاوضات محصورة بوقف التصعيد والانسحاب الإسرائيلي وترسيم النقاط الحدودية العالقة، بينما تسعى واشنطن وتل أبيب إلى توسيع التفاوض نحو ملفات السيادة والسلاح ودور "حزب الله" الإقليمي.
ومن هنا، تبدو فرص نجاح المسار الأمني أكبر نسبياً من المسار السياسي. إذ يمكن الوصول إلى تفاهمات ميدانية مؤقتة تمنع الانفجار الشامل على الحدود، لكن الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة يبقى أمراً بالغ التعقيد في ظل الانقسام اللبناني الداخلي، واستمرار النزاع الأميركي ـ الإيراني في المنطقة.
غير أن السؤال الأكثر حساسية الذي تطرحه الأوساط السياسية والدبلوماسية في لبنان يتمثل في الآتي: هل تهدف واشنطن من خلال العقوبات فعلياً إلى إحداث فصل سياسي وأمني بين الدولة اللبنانية و"حزب الله"، تمهيداً للضغط على السلطة اللبنانية لكي تتولى بنفسها مهمة نزع سلاحه، بعدما عجزت إسرائيل عسكرياً عن تحقيق هذا الهدف؟
المؤشرات المتوافرة توحي بأن هذا الاحتمال بات مطروحاً بجدية داخل المقاربة الأميركية الجديدة. فاستهداف شخصيات مرتبطة بمؤسسات الدولة، إلى جانب شخصيات من "حزب الله" وحلفائه، يحمل رسالة واضحة مفادها أن واشنطن لم تعد تقبل بالصيغة اللبنانية التقليدية القائمة على "التعايش الوظيفي" بين الدولة والحزب.
بمعنى آخر، تريد الإدارة الأميركية من السلطة اللبنانية أن تحسم موقعها السياسي والأمني بصورة أكثر وضوحاً، وأن تنتقل من سياسة الاحتواء والتوازن إلى سياسة المواجهة المؤسساتية مع الحزب.
هذا التحول يرتبط أيضاً بالقراءة الأميركية لنتائج المواجهة العسكرية الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله". فعلى الرغم من الكلفة البشرية والمادية الكبيرة التي تكبدها الحزب، فإن إسرائيل لم تنجح في تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في إنهاء قدراته العسكرية أو فرض وقائع ميدانية تؤدي إلى نزعه بالقوة. ومن هنا، يبدو أن واشنطن انتقلت تدريجياً من منطق "الاحتواء الإسرائيلي العسكري" إلى استراتيجية "الضغط الداخلي المنظم"، أي استخدام أدوات العقوبات والعزل المالي والسياسي لدفع السلطة اللبنانية إلى تحمل مسؤولية تفكيك البيئة الحاضنة لسلاح الحزب أو الحد من نفوذه الأمني والعسكري.
لكن هذه المقاربة تصطدم بوقائع لبنانية شديدة التعقيد. فالدولة اللبنانية، المنهكة مالياً وسياسياً، لا تمتلك عملياً القدرة الداخلية ولا الغطاء الوطني الكافي للدخول في مواجهة مفتوحة مع "حزب الله"، خصوصاً أن الحزب لا يزال يمثل قوة عسكرية وسياسية وشعبية وازنة داخل الطائفة الشيعية وخارجها.
كما أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تدفع البلاد نحو انقسام داخلي خطير، وربما إلى اهتزاز بنية المؤسسات الأمنية نفسها، وربما تفككها، قياساً إلى تجارب سابقة مرت بها هذه المؤسسات.
كذلك تدرك واشنطن أن الجيش اللبناني، وعلى الرغم من الدعم الدولي الذي يتلقاه، لا يزال محكوماً بتوازنات طائفية وسياسية دقيقة تمنعه من التحول إلى أداة صدام داخلي مباشر. لذلك، فإن الضغوط الأميركية تبدو أقرب إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة بالحزب، وعزل نفوذه تدريجياً داخل مؤسسات الدولة، أكثر من كونها دفعاً فورياً إلى مواجهة عسكرية داخلية.
وفي موازاة ذلك، تحاول الإدارة الأميركية الاستفادة من التحولات الإقليمية الكبرى، ولا سيما تراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات العربية، لإعادة طرح ملف سلاح "حزب الله" باعتباره قضية مرتبطة بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها، لا فقط بالنزاع مع إسرائيل. فواشنطن تراهن على أن الأزمة الاقتصادية الخانقة، والحاجة اللبنانية إلى المساعدات والاستثمارات الدولية، قد تدفع قوى داخلية متزايدة إلى القبول بإعادة النظر في المعادلة التي حكمت لبنان منذ عام 2006.
لكن الرهان الأميركي يصطدم أيضاً بحسابات أكثر تعقيداً.
فـ"حزب الله" لا يزال يعتبر أن أي نقاش حول سلاحه يجب أن يكون مرتبطاً أولاً بالتهديد الإسرائيلي وبـ"الاستراتيجية الدفاعية الوطنية" أو "استراتيجية الأمن الوطني"، لا بالإملاءات الخارجية. كما أن بيئته السياسية ترى في العقوبات الأميركية محاولة لإضعاف موقع الطائفة الشيعية في النظام اللبناني، وليس فقط استهداف الحزب عسكرياً أو أمنياً.
وفي هذا الإطار، تبدو المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية مرشحة لأن تبقى محكومة بسقف منخفض في المرحلة المقبلة. فواشنطن تريد استخدام التفاوض مدخلاً لإعادة هندسة التوازنات اللبنانية، بينما يسعى لبنان الرسمي إلى حصره في الجوانب التقنية والأمنية لمنع تحوله منصة لفرض تسويات سياسية كبرى. أما "حزب الله"، فيتعامل مع المسار التفاوضي باعتباره جزءاً من مواجهة إقليمية أوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لا مجرد ملف حدودي منفصل.
وفي أي حال، لا تبدو العقوبات الأميركية حدثاً منفصلاً عن المفاوضات، بل جزءاً عضوياً من أدوات التفاوض نفسها. فواشنطن تستخدم الضغط المالي والسياسي لإعادة رسم موازين القوى داخل لبنان، فيما يحاول "حزب الله" وحلفاؤه منع تحويل التفاوض الأمني مدخلاً لتغيير هوية لبنان الاستراتيجية.
وبين هذين المسارين، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة قد تحدد شكل العلاقة مع إسرائيل لسنوات طويلة مقبلة، سواء عبر تهدئة طويلة الأمد أو عبر جولة جديدة من الحرب المفتوحة.

