الياس المر_خاص الأفضل نيوز
لم يكن الإعلان عن اتفاق الستين يوماً مجرّد محطة تفاوضية عابرة بين واشنطن وطهران، بل تحوّل إلى مؤشر استراتيجي على تبدّل موازين الضغط في المنطقة، وعلى فشل إسرائيل في فرض رؤيتها للحرب وأهدافها السياسية على الإدارة الأميركية. فبعد أسابيع طويلة من التصعيد والرهانات الإسرائيلية على توسيع دائرة الاشتباك وإجبار الولايات المتحدة على الذهاب نحو مواجهة شاملة مع إيران، جاءت النتائج معاكسة تماماً لما أراده بنيامين نتانياهو.
أول مؤشرات الفشل الإسرائيلي تمثّل في عدم قدرة تل أبيب على إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم الذهاب إلى اتفاق. الأخطر بالنسبة لإسرائيل أنّها بدت هذه المرة خارج غرفة القرار، بعدما جرى عملياً تحييدها عن مسار التفاوض، في مشهد يعكس تبايناً عميقاً بين الأولويات الأميركية والإسرائيلية. فإسرائيل كانت تدفع نحو “حزمة شاملة” تتناول البرنامج النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي الإيراني، بينما حصرت واشنطن النقاش بملف محدود يرتبط بأمن الملاحة ومضيق هرمز، مع ترحيل القضايا الأكثر حساسية إلى مرحلة لاحقة.
وهنا تكمن الضربة الكبرى: اتفاق الستين يوماً لا يتناول البرنامج النووي الإيراني ولا مشروع الصواريخ الباليستية، أي أنّ الحرب انتهت من دون تحقيق الأهداف التي رُفعت كشعارات أساسية لها. بل إنّ حصر الاتفاق بمضيق هرمز يشير إلى نجاح إيران في نقل المعركة من ساحات الضغط على مشروعها الاستراتيجي إلى مساحة تهدد الاقتصاد العالمي والطاقة الدولية، وهو ما أجبر واشنطن على التراجع نحو تسوية مؤقتة.
إيران بدورها قرأت المشهد بدقة، واستثمرت في نقطة الضعف الأميركية الأساسية: عدم القدرة على العودة إلى الحرب. فمنذ نهاية حرب الأيام التسعة والثلاثين، بدأت ملامح العجز الأميركي تتكشف تدريجياً، سواء بسبب محدودية النتائج العسكرية، أو بسبب حجم الرد الإيراني، أو نتيجة موقف حلفاء واشنطن في الخليج الذين أبدوا خشية واضحة من توسع الحرب وانعكاساتها الاقتصادية والأمنية عليهم.
وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام خمسة عوامل ضاغطة أفقدتها القدرة على المناورة:
أولاً، فشل الحرب في تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ثانياً، قوة الرد الإيراني واتساعه.
ثالثاً، تململ الحلفاء الخليجيين المتضررين من استمرار التصعيد.
رابعاً، خطر مضيق هرمز وما يمثله من تهديد مباشر للاقتصاد العالمي.
وخامساً، التأثير السلبي للحرب على الاقتصاد الأميركي وأسواق الطاقة والتضخم الداخلي، في مرحلة انتخابية حساسة.
ضمن هذا السياق، يبدو الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، والذي قد يصل إلى خمسة وعشرين مليار دولار، أشبه بإقرار أميركي بالحاجة إلى تثبيت التهدئة بأي ثمن، فيما نجحت طهران في استثمار الوقت والضغط الاقتصادي والسياسي حتى اللحظة الأخيرة، مستفيدة من خبرتها الطويلة في التفاوض وإدارة الصراع المركّب.
أما إسرائيل، فتدخل مرحلة أكثر تعقيداً. عامل الوقت لم يعد لصالح نتانياهو الذي ذهب إلى انتخابات مبكرة من دون إنجاز حاسم يستطيع تسويقه داخلياً. فالحرب التي كان يُفترض أن تعيد رسم قواعد الاشتباك انتهت إلى اتفاق مؤقت لا يحقق الأهداف الإسرائيلية، بل يعكس تراجع قدرة تل أبيب على فرض إيقاعها على القرار الأميركي.
وفي لبنان، تبرز الأسئلة الأكثر حساسية. فإذا كان الاتفاق الأولي يشمل وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، فهذا يعني نظرياً دخول الجبهة اللبنانية ضمن التهدئة. لكن التجارب السابقة تطرح علامات استفهام جدية حول مدى التزام إسرائيل بأي اتفاق، خصوصاً أنها لطالما استخدمت شعار “الدفاع عن النفس” لتبرير استمرار عملياتها العسكرية.
ومن هنا، يصبح مستقبل الجنوب اللبناني مرتبطاً بثلاثة ملفات مترابطة: أولاً، هل تلتزم إسرائيل فعلاً بوقف النار؟
ثانياً، ماذا عن الانسحاب الكامل من المناطق التي لا تزال تحتلها؟
وثالثاً، كيف ستتم العودة وإعادة الإعمار في ظل الدمار الهائل والواقع الاقتصادي اللبناني المنهك؟
المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة صراع بوسائل مختلفة. غير أنّ الثابت حتى الآن أنّ إسرائيل خرجت من هذه الجولة أقل قدرة على فرض شروطها، فيما استطاعت إيران تحويل الضغط العسكري إلى مكسب تفاوضي وسياسي، في مشهد يختصر عنوان المرحلة: اتفاق مؤقت… وهزيمة مؤجلة للأهداف الإسرائيلية.

