روجيه أبوفاضل - خاص الأفضل نيوز
عاد ملف العفو العام ليتصدر المشهد السياسي والقضائي في لبنان في واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا بعدما تحوّلت السجون اللبنانية الى صورة تختصر حجم الانهيار الذي أصاب الدولة ومؤسساتها على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية حتى باتت الزنازين المكتظة شاهدًا يوميًا على عجز السلطة عن معالجة واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في البلاد فيما يدفع آلاف الموقوفين وعائلاتهم ثمن سنوات طويلة من الإهمال والتعطيل والصراعات السياسية التي أوصلت لبنان الى هذا الواقع المأساوي
فداخل السجون لم تعد معاناة الموقوفين مرتبطة فقط بفقدان الحرية بل تجاوزت ذلك الى الحرمان من أبسط مقومات الحياة الإنسانية حيث يعيش عدد كبير من السجناء في غرف مكتظة الى حدود الاختناق وسط انتشار الأمراض ونقص حاد في الأدوية والرعاية الصحية والغذاء فيما يمضي كثيرون سنوات طويلة من دون محاكمات نهائية أو أحكام مبرمة نتيجة التباطؤ الذي أصاب عمل المحاكم خلال السنوات الماضية
وفي المقابل تعيش عائلات الموقوفين مأساتها الخاصة بصمت موجع إذ تحوّلت زيارة السجن وتأمين الطعام والدواء والمحامين الى عبء يفوق قدرة غالبية العائلات اللبنانية التي استنزفها الانهيار الاقتصادي وارتفاع نسب الفقر والبطالة وغياب أي دعم اجتماعي حقيقي من الدولة حيث باتت أمهات وزوجات وآباء وأولاد الموقوفين يعيشون بين الخوف والإذلال والعجز اليومي عن تأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود
وفي خِضمّ تصاعد المطالب بإقرار قانون عفوٍ عام يؤكد مصدر قضائي رفيع أن تحميل القضاء وحده مسؤولية اكتظاظ السجون وتأخير المحاكمات يشكل ظلمًا كبيرًا ومحاولة متعمدة للهروب من الحقيقة الكاملة مشيرًا الى أن القضاة عملوا طوال السنوات الماضية في ظروف استثنائية وقاسية رغم الانهيار المالي والإداري والأمني الذي أصاب مؤسسات الدولة كافة
ويقول المصدر إن القضاء كان من أكثر المؤسسات التي دفعت ثمن الصراعات السياسية والتعطيل المقصود حيث تعطلت غرف ومحاكم بكاملها بسبب خروج عدد كبير من القضاة الى التقاعد من دون تعيين بدلاء وعدم إقرار التشكيلات القضائية لفترات طويلة إضافة الى تعطيل مجلس القضاء الأعلى وعدم توقيع مراسيم أساسية كانت تسمح بانتظام العمل القضائي ما تسبب بشلل واسع داخل المحاكم وأدى الى تراكم عشرات آلاف الملفات وتأخير المحاكمات لسنوات
ويضيف المصدر أن هناك من تعمّد ترك القضاء في مواجهة الناس وحده فيما كان القضاة يتابعون جلساتهم وتحقيقاتهم وسط انقطاع الكهرباء ونقص الموظفين والإضرابات والظروف الأمنية الصعبة مشيرًا الى أن عددًا من القضاة واصلوا العمل حتى في أصعب الظروف من أجل منع انهيار العدالة بشكل كامل رغم كل العراقيل التي وضعت أمامهم
وفي هذا السياق جاء بيان مجلس القضاء الأعلى الصادر بتاريخ 20 5 2026 ليضع النقاط على الحروف بعدما أكد أن أسباب طرح العفو العام لا ترتبط فقط باكتظاظ السجون بل أيضا باعتبارات اجتماعية ووطنية وأن القضاء لم يوفر أي جهد لتسريع المحاكمات بعد إعادة تفعيل التشكيلات القضائية حيث سجلت النيابات العامة الاستئنافية وقضاة التحقيق والمحاكم الجزائية عشرات آلاف القرارات والأحكام خلال فترة قصيرة رغم النقص الكبير في عدد القضاة والموظفين
كما شدّد مجلس القضاء الأعلى على أن توقف المحاكمات في عدد من الملفات الكبرى ولا سيما أمام المجلس العدلي لم يكن سببه القضاء بل نتيجة عدم اكتمال النصاب وعدم صدور مراسيم التعيين اللازمة عن السلطة التنفيذية لسنوات طويلة إضافة الى مشاكل لوجستية وإدارية وأمنية مرتبطة بعدم إحضار الموقوفين وتأخر التبليغات وكلها أمور خارجة عن إرادة السلطة القضائية
وفي موازاة ذلك يرى المصدر القضائي الرفيع أن العفو العام المطروح اليوم لم يعد مجرد خيار سياسي بل تحوّل الى ضرورة وطنية وإنسانية واجتماعية شرط ألا يكون عفوًا انتقائيًا او شعبويًا أو محصورًا بفئات محددة بل عفوًا شاملاً يعالج نتائج مرحلة كاملة من الانهيار تمامًا كما حصل في قانون العفو العام سنة 1991 بعد انتهاء الحرب اللبنانية رغم حجم الجرائم والانقسامات التي عاشها لبنان يومها
ويضيف المصدر نفسه متسائلاً كيف يمكن لهؤلاء المسؤولين أن يقرّوا قانون عفوٍ عام فيما لا يزال لبنان يعيش واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث بعد العدوان التدميري والحربي والاقتصادي والمالي الذي لم يرحم بشرًا ولا حجرًا وترك البلاد غارقة في الانهيار والفوضى والفقر والانقسام السياسي والطائفي الحاد مشيرًا الى ان أي عفوٍ لا يمكن أن ينجح فعليًا ما لم يتوقف العدوان الإسرائيلي التدميري على لبنان
وإذا لم يترافق مع معالجة حقيقية للأسباب التي أوصلت البلاد الى هذا الواقع الكارثي
ويتابع المصدر القضائي الرفيع أن توقيت العفو العام من دون حل جذري للأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية ومن دون قيام مصالحة وطنية حقيقية بين مختلف الأحزاب والقوى السياسية والطائفية قد يؤدي الى إعادة إنتاج الأزمات نفسها بدل معالجتها مؤكدًا أن المطلوب اليوم ليس فقط إقرار قانون عفو بل إعادة بناء الدولة والمؤسسات واستعادة ثقة اللبنانيين بالقانون والقضاء والعدالة والدولة نفسها حتى لا يتحول العفو الى مجرد تسوية ظرفية جديدة تضاف الى سلسلة التسويات التي دفعت البلاد مرارًا نحو الانهيار والفوضى
ويتابع المصدر قائلاً إن من استفادوا سابقًا من قوانين عفو شملت قادة ميليشيات وأحزابًا وشخصيات سياسية لا يحق لهم اليوم التعامل بازدواجية مع آلاف الموقوفين الذين دفعتهم ظروف الفقر والانهيار والحرمان الى السجون مؤكدًا في الوقت نفسه أن أي عفوٍ يجب ألا يتحوّل الى مظلة لحماية تجار المخدرات والشبكات الإجرامية المنظمة التي تدمّر المجتمع اللبناني وتستهدف شبابه ومستقبله
ويختم المصدر بالتأكيد أن معالجة أزمة السجون لا يمكن أن تتم بالشعارات أو بالمزايدات السياسية بل عبر خطة وطنية شاملة تبدأ بإعادة بناء السلطة القضائية وتأمين عددٍ كاف من القضاة والموظفين وتحسين أوضاع السجون وتسريع المحاكمات واحترام حقوق الإنسان لأن السجين يبقى إنسانًا مهما كانت التهم الموجهة إليه ولأن العدالة الحقيقية لا تقوم على الانتقام بل على القانون والإنصاف وحماية المجتمع والدولة في آن واحد.

