كريستال النوّار - خاصّ الأفضل نيوز
حين خرج العالم من جائحة كورونا، ظنّ كثيرون أنّ البشريّة تعلّمت الدرس، لكنّ الأشهر الأخيرة أعادت فتح الجرح نفسه وأظهرت أنّ العالم لا يزال هشًّا أمام الأوبئة وربما أكثر ارتباكاً ممّا كان عليه قبل سنوات.
في هذا الإطار، يكشف عضو لجنة الصحة النائب عبد الرحمن البزري أنّ العالم يعاني من مشاكل مرتبطة بعودة انتشار الأوبئة والأمراض المعدية بشكل واسع وكبير، وذلك نتيجة لعناصر عدّة يرتبط بعضها بالسّلوك البشري وسوء استخدام الطاقات الكامنة سواء صناعية أو علمية، والتوسع الكبير الذي تقوم به البشرية عمرانيًّا على حساب الغابات والمساحات الخضراء. ويوضح البزري في حديث لموقع "الأفضل نيوز": "علينا أن نستعدّ لاحتمال ظهور أوبئة جديدة وأن نتعلّم من تجاربنا في مكافحة الأوبئة السابقة".
ويُضيف موضحاً: "نعيش في عصر يتزايد فيه احتمال ظهور أمراض وأوبئة متعددة، فلا ننسى الجائحات الوبائية آخرها كوفيد 19 وسبقتها انفلونزا الخنازير H1N1. الكرة الأرضيّة تعاني حاليًّا من وباء كبير وهو انتشار الميكروبات التي يصعب علاجها لأنّها مقاوِمة للمضادات الحيوية".
المخاوف مشروعة عالميًّا، إذ يلفت البزري إلى أنّ "العالم يتحضّر لظهور وباء جديد لا نعلم متى يمكن أن يظهر، لكن علينا أن نأخذ العبر ونضعها في الحسبان والتطبيق، ما يسمح لنا بمجابهة أي وباء جديد بشكل أفضل".
هذا كلّه، وسط انتشار بعض الفيروسات الخطيرة التي بدأت منظمة الصحة العالمية تركّز على خطورتها، مثل "إيبولا" و"هانتا". ورغم أنّهما مختلفان تماماً، إلا أنّ خطورتهما قد تصل إلى حدّ التسبّب بالوفاة، وفق البزري، الذي يُذكّر بأنّ الإصابة بـ"هانتا" إذا لم تُعالَج يُمكن أن تُسبّب نسبة وفيات تصل إلى حوالى 30 في المئة.
تجربة كوفيد 19 كانت الأشدّ ثقلاً، فلقد أرخت بظلالها لسنوات طويلة على البشرية، وجزء من الاضطرابات السياسية والاقتصادية والحروب التي نشهدها قد تكون مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتأثير هذا الوباء. ويُشدّد البزري على ضرورة التعلّم من الدروس التي أعطتنا إياها تجربة كورونا، خصوصاً أنّ هناك العديد من الدول لم تقم بما هو مطلوب منها في التجاوب مع الوباء الأمر الذي أدّى إلى اضطرابات سياسية وسقوط حكومات، إضافةً إلى تسجيل نسب مرتفعة من الوفيات.
بالإضافة إلى ذلك، يؤكّد البزري أنّ مجابهة مثل هذه الأمراض لا تكون فقط من خلال القطاع الصحي إنما أيضاً مجابهة سياسية بامتياز، موضحاً: "إنّ رصد الإمكانات للقطاع الصحي يكون على حساب رصد إمكانات لقطاعات أخرى، والإغلاق في زمن الأوبئة ربّما يكون على حساب قطاعات أخرى أيضاً، وبالتالي هذه العبر يجب أن تؤخذ في الحسبان مع الانتباه إلى أنّ الكثير من المعايير المرتبطة بالترصّد الوبائي تم تحسينها في مراقبة الأمراض من أجل التمكّن من التصدّي أو احتواء أي وباء جديد يمكن أن يظهر".
هل من مخاوف جديّة بشأن احتمال انتقال "هانتا" أو "إيبولا" إلى لبنان؟ يُجيب البزري مطمئناً: "انتقال هذه الفيروسات إلى لبنان بهذه المرحلة، صعب جداً، والحكومة اللبنانية ولجان الأمراض الوبائية فيها تراقب الوضع عن كثب وتلاحق التعاميم والتوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، وأعتقد أنه لا داعٍ لأخذ أيّ إجراءات استثنائية أو أن يخاف اللبنانيون من هذا الموضوع".
وفي ما يتعلق بالقطاع الصحي في لبنان، يُشيد البزري بجهوزيّته و"لقد أثبت خلال فترة كوفيد 19 أنه قادر على التجاوب بسرعة مع الكثير من متطلّبات الجائحة رغم ضعف الإمكانات. وبلدنا مليء بالكثير من الطاقات، يدعم قوّته التعاون بين القطاع الخاص والقطاع العام الذي أتى بثماره حيث اعتُبر لبنان من الدول التي سُجِّل لها حسن تجاوبها مع كورونا وقدرتها على استيعابه"، مشيراً إلى أنّ الحكومة اللبنانية تتشاور دائماً مع الاختصاصيين الذين أظهروا على مدى أجيال، أنهم راغبون في التعاون من أجل خير القطاع الصحي وسلامة اللبنانيين".
أمّا عن أسباب انتشار الأوبئة والفيروسات في العالم، فيلفت البزري إلى "أنّنا نعيش في زمن الاستعداد لظهور العديد من الفيروسات والأوبئة، وجزء من الأسباب يعود إلى التغيّرات المناخية والاحتباس الحراري والأحداث المناخية الشديدة كالفيضانات وغيرها، وارتفاع نسبة الحرارة في البيئة ما يسمح بظهور الأمراض وانتقالها خصوصاً تلك التي تنتقل بواسطة البعوض والقوارض، كما أنّ الحروب تؤدي أيضاً إلى تدمير البنية التحتية الصحية وهجرة مجموعات من البشر بصورة غير مدروسة من منطقة إلى أخرى". ويُضيف: "كما أنّ سهولة السفر جعلت من السّهل انتقال أي مرض من بلد إلى آخر، وهذا الانتقال قد يحصل حتّى خلال فترة الحضانة قبل ظهور العوارض الصحية على المريض، وهذا ما حصل في الباخرة السياحية مع "هانتا". كما أن التصحّر والقضاء على الغابات والمساحات الخضراء أدى إلى ظهور المزيد من الفيروسات".
كلّ ذلك، ونحن في أمان "نوعاً ما". إذ يُطمئن البزري "أنّنا في لبنان ورغم واقعنا الاجتماعي والاقتصادي المزري وانهيار الواقع السياسي والعدوان المستمرّ، فإن القطاع الصحي أظهر قدرة فائقة على الصمود وبالتالي علينا أن نزيد من إمكان ترصدنا الوبائي وهذا ما تقوم به وزارة الصحة، وأن نزيد من تعاوننا مع المنظمات الدولية لاسيما منظمة الصحة العالمية وأن نبقي على الشراكة بين القطاعين الخاص والعام لأنه مصدر قوة لبلدنا".
ويقول بشكلٍ واضح: "لبنان ليس معرّضاً الآن لأيّ من "هانتا" أو "إيبولا"، ولا يوجد لبنانيّون معرّضون في البلاد التي ظهرت بها هذه الأمراض، وما زلنا نترصّد بعض الأمراض بصورة سليمة ودائمة، بينها الانفلونزا وكوفيد، والأرقام في لبنان منطقية في هذه المرحلة".
ومع بدء فصل الصيف، تتزايد التحذيرات من انتشار عدد من الأمراض الميكروبية المرتبطة بالإسهال، و"علينا أن نكون على جهوزية للتعامل معها". الحرصُ واجب، الترصّد الوبائي واجب، والتعاون بين مختلف المكوّنات واجب أيضاً، يختم البزري.

