نوال أبو حيدر-خاصّ الأفضل نيوز
تشهد الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في بيانات التعاميم الصادرة عن قوى الأمن الداخلي بشأن أشخاص مفقودين غادروا منازلهم أو انقطعت أخبارهم في ظروف مختلفة، الأمر الذي أثار قلقاً داخل المجتمع اللبناني وفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول أسباب هذه الظاهرة ودلالاتها الاجتماعية والأمنية؛ فمشاهد الصور والتعاميم التي تنتشر بشكل شبه يومي عبر وسائل الإعلام لم تعد مجرد أخبار عابرة، بل تحولت إلى مؤشر يعكس حجم الضغوط والتحولات التي يعيشها المجتمع في ظل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية المتراكمة.
إذ يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يعكس ارتفاع بيانات الأشخاص المفقودين في لبنان تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وما هي دلالاته على الواقع الأمني والاستقرار المجتمعي؟
اقتصاد يَبتلع الناس!
إن تفسير تزايد حالات المفقودين في لبنان لا يمكن أن يقتصر على عنصر واحد، بل يرتبط بمجموعة من الأسباب التي تداخلت مع الظروف الاستثنائية للبلاد؛ فالأزمة الاقتصادية الحادة التي يعيشها اللبنانيون منذ سنوات أدت إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والعجز عن تأمين متطلبات الحياة الأساسية، ما انعكس توتراً وضغطاً نفسياً داخل العائلات. وقد دفعت هذه الظروف بعض الأفراد، وخصوصاً الشباب، إلى مغادرة منازلهم هرباً من الواقع أو سعياً للهجرة أو البحث عن حياة مختلفة بعيداً عن المتاعب اليومية. كما أنّ المشاكل الأسرية الناتجة عن الأزمة الاقتصادية، كالعنف المنزلي، الخلافات المستمرة وضعف التواصل داخل الأسرة، ساهمت في زيادة حالات الهروب والانقطاع عن الأهل، خاصة بين المراهقين والقاصرين.
انهيار نفسي
إلى جانب العامل الاقتصادي، برزت الضغوط النفسية كسبب رئيسي في تفاقم هذه الظاهرة. فالأزمات المتلاحقة، من الانهيار المالي إلى جائحة كورونا،، انفجار مرفأ بيروت والتوترات الأمنية والسياسية، تركت آثاراً نفسية عميقة على اللبنانيين، وأدت إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والشعور بفقدان الأمل بالمستقبل. وفي ظل ضعف خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، يجد بعض الأشخاص أنفسهم عاجزين عن مواجهة الضغوط، فيلجؤون إلى الانعزال أو الهروب أو قطع الاتصال مع محيطهم. كما تلعب ظواهر الإدمان والانحراف دوراً مهماً في بعض حالات الاختفاء، إذ قد يدخل بعض الشباب في دوائر المخدرات أو الجريمة أو العلاقات الخطرة التي تؤدي إلى انقطاع أخبارهم أو ابتعادهم عن عائلاتهم.
فضاء خَطِر!
ولا يمكن إغفال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة في هذا المجال، إذ أصبحت المنصات الإلكترونية وسيلة قد تستخدم للاستدراج أو الخداع أو الابتزاز، خاصة بحق القاصرين والفتيات. فالعلاقات الافتراضية غير الآمنة قد تدفع بعض الأشخاص إلى مغادرة منازلهم أو الوقوع ضحية شبكات استغلال واتجار بالبشر، الأمر الذي يزيد من خطورة الظاهرة ويعقّد عمليات المتابعة والبحث. كما أنّ ضعف الاستقرار الأمني والانشغال بالأزمات الداخلية يؤثر أحياناً على سرعة الاستجابة لبعض الحالات، رغم الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية في التعاميم والمتابعة.
بين الأسباب وسُبل المواجهة!
إن تزايد حالات المفقودين يترك آثاراً خطيرة على المجتمع اللبناني، فهو لا ينحصر بمعاناة الشخص المفقود فقط، بل يمتد إلى عائلته التي تعيش حالة مستمرة من القلق والخوف والترقب، ما قد يؤدي إلى فقدان الشعور بالأمان داخل المجتمع وانتشار الشائعات والذعر بين الناس. كما أن تكرار هذه الظاهرة يضع المؤسسات الأمنية والاجتماعية أمام تحديات كبيرة تتطلب تنسيقاً فعالاً وسريعاً لحماية الأفراد والحدّ من تفاقم هذه الظاهرة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير آليات الوقاية والمتابعة من خلال مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تشمل الأبعاد الاجتماعية والنفسية والتربوية أيضاً؛ فتعزيز دور الأسرة ونشر ثقافة الحوار والاحتواء داخل المنازل يشكلان خط الدفاع الأول ضد حالات الهروب والانقطاع، كما أن دعم الصحة النفسية وتوفير مراكز استشارة ومساعدة للشباب والمراهقين أصبح ضرورة ملحة في ظل الضغوط المتزايدة التي يعيشها المواطنون، وإلى جانب ذلك، ينبغي تطوير وسائل الإبلاغ السريع عن المفقودين وإنشاء قواعد بيانات حديثة تساهم في تسريع عمليات البحث والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الصحية والاجتماعية.
كذلك، فإن التوعية بمخاطر الاستدراج الإلكتروني والابتزاز عبر الإنترنت باتت ضرورة أساسية، خصوصاً مع الاستخدام الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب. كما يجب على وسائل الإعلام أن تتعامل مع هذه القضايا بمسؤولية ومهنية بعيداً عن التهويل والإثارة، وأن تساهم في نشر الوعي وتقديم المعلومات الدقيقة التي تساعد في حماية المجتمع.
في المحصلة، فإن ظاهرة المفقودين في لبنان ليست مجرد أحداث فردية، بل هي انعكاس واضح للأزمات العميقة التي يعاني منها المجتمع اللبناني على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والأمنية. ومعالجة هذه الظاهرة تتطلب تعاوناً حقيقياً بين الدولة والمؤسسات الأمنية والعائلات والمدارس ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، لأن بناء مجتمع آمن ومتماسك يبدأ بحماية الإنسان وتعزيز شعوره بالأمان والانتماء والاستقرار.

