د. علي دربج - خاص الأفضل نيوز
مقابل جرعة التفاؤل بقرب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، التي يعيش عليها العالم وتحديدًا دول منطقة الشرق الأوسط، وخصوصًا لبنان، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب معارضة شرسة للاتفاق من قبل بعض أكثر مؤيديه ولاءً من الجمهوريين، الذين باتوا يجاهرون برفضهم للصفقة، ويذهبون بعيدًا في رفضهم لها، من خلال اعتبارهم أن ترامب يقف على حافة الاستسلام في "حربه الثانية مع إيران".
الدوافع الاقتصادية والسياسية للمفاوضات مع إيران
في الحقيقة، يُرجح أن ترامب ومستشاريه توصّلوا إلى قناعة بأن استئناف العمل العسكري لفرض شروط أكثر تشددًا لا يستحق المخاطر الكبيرة، نظرًا لانعكاساتها السلبية على الاقتصاد العالمي، فضلًا عن مستقبل ترامب، الذي يصفه مؤيدوه ومنتقدوه على حد سواء بأنه فقد أعصابه، بسبب الضغوط الكبيرة عليه من داخل إدارته نفسها.
فعدا عن أن نسبة تأييد ترامب تراجعت إلى 37 % وفق استطلاعات الرأي الأخيرة، وهو أدنى مستوى له خلال ولايته الرئاسية الثانية، دقّ كبار مستشاريه السياسيين وأعضاء جمهوريون في الكونغرس، ناقوس الخطر من أن إطالة أمد الحرب مع إيران ستزيد من سوء التوقعات القاتمة أصلًا بالنسبة للجمهوريين في انتخابات منتصف الولاية.
وتُوّجت هذه الإشارات القاتمة بالتحذير الهادئ لترامب من قبل وزير خزانته سكوت بيسنت، الذي قرع جرس الإنذار من أن "استمرار الحرب من دون إعادة فتح المضيق قد يؤدي إلى انهيار مالي عالمي."
تناقص مخزونات أسلحة واشنطن الهجومية والاعتراضية
عمليًا، لا تقتصر التحديات المرتبطة باستئناف الحرب الأميركية ضد إيران على الجانب السياسي والاقتصادي فقط، بل هناك أسباب أخرى تدفع الرئيس نحو إبرام اتفاق. فالجيش الأميركي بدأ ينفد من الذخائر الدقيقة وصواريخ الاعتراض، لا سيما "باتريوت"، ما جعل الولايات المتحدة وحلفاءها أكثر عرضة لتهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية قصيرة المدى.
وتعليقًا على ذلك، قال أحد المسؤولين العسكريين: "لقد أضعفنا مخزون إيران من الصواريخ، لكن ليس إلى الحد الذي يمنعها من تهديد الخليج".
ليس هذا فحسب، إذ تعاني الولايات المتحدة أيضًا من نقص كبير في الأسلحة بعيدة المدى، مثل نظام الصواريخ التكتيكية للجيش الأميركي (ATACMS)، القادر على استهداف المنشآت العسكرية على طول الساحل الإيراني من مسافات تتجاوز قدرات النظام الإيراني المضادة للصواريخ.
وفي حين لا تزال الولايات المتحدة تمتلك كميات كبيرة من ذخائر الهجوم المباشر المشترك (JDAMs)، فإن هذه الأسلحة أقصر مدى، ويجب إطلاقها من طائرات تُحلّق على ارتفاعات منخفضة.
ضع في اعتبارك، صحيح أن أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية بدت عاجزة أمام الأسلحة الأميركية والإسرائيلية المتطورة، لكن طهران أثبتت في نيسان الفائت أنها لا تزال قادرة على إسقاط الطائرات التي تُحلّق على ارتفاعات منخفضة قرب الأرض، حيث أطلقت الدفاعات الإيرانية وابلًا من صواريخ أرض ـ جو على الطائرات الأميركية باستخدام الأشعة تحت الحمراء بدلًا من الرادار.
أما المشكلة العسكرية الكبرى التي تصطدم بها واشنطن، فهي المنشآت الساحلية الإيرانية. فالطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى والزوارق السريعة التي تستخدمها إيران لمضايقة وتهديد الملاحة الدولية، تُخزَّن جميعها داخل مخابئ وأنفاق تحت الأرض.
وعليه، وللوصول إلى هذه الأهداف، ستحتاج الولايات المتحدة إلى استخدام القنابل الخارقة للتحصينات، مثل تلك التي أُلقيت على المنشآت النووية الإيرانية في حزيران 2025، خلال عملية "مطرقة منتصف الليل".
وفي هذا الإطار، يؤكد مصدر عسكري أميركي أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك نحو ألف قنبلة من هذا النوع (بحسب منصة The Free Pressالامريكية المستقلة) ، لكن عددًا كبيرًا منها مطلوب لردع كوريا الشمالية والصين.
لذا، لمّح قائد القيادة المركزية الأميركية، الأميرال برادلي كوبر، أثناء شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأسبوع الماضي، إلى "الحاجة لمزيد من القنابل الخارقة للتحصينات"، مشددًا على ضرورة الاستثمار أكثر في استهداف المواقع المحصنة والعميقة تحت الأرض.
أسباب الاعتراض الجمهوري للاتفاق
عمليًا، يركّز اتفاق وقف إطلاق النار، كما نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن عدد من المسؤولين الامريكيين المطلعين، على عدة بنود رئيسية: أولها موافقة إيران على إعادة فتح مضيق هرمز فورًا ومن دون فرض رسوم عبور، وثانيها تعهد إيراني بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، مقابل وقف الأعمال القتالية، والإفراج عن الأموال المجمّدة، والرفع التدريجي للعقوبات الأميركية.
أما تفاصيل نزع القدرات النووية الإيرانية، فسيتم التفاوض عليها خلال الستين يومًا المقبلة، ضمن عملية لا تزال ضبابية إلى حد كبير. وهنا، تشير المعلومات إلى أن إيران وافقت على التخلص من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، لكنها لم توافق بعد على مطلب ترامب بتسليم هذه المواد إلى الغرب.
الطامة الكبرى بالنسبة إلى معارضي الاتفاق من الجمهوريين المتشددين، أنه لا يتناول مخزون إيران من الصواريخ، أو حظرًا صريحًا لتخصيب اليورانيوم، وهما من أبرز أهداف ترامب الأساسية. زد على ذلك أن إيران لم توافق علنًا على التخلي عن "حقها في التخصيب"، وبعد هذه الحرب، من المرجح أن تكون رغبتها في امتلاك قوة ردع نووية أقوى من أي وقت مضى.
من هنا، ومن أجل دفع إيران إلى الالتزام خلال مفاوضات الستين يومًا حول التفاصيل النووية، اقترحت الولايات المتحدة حوافز مرتبطة بالأداء، وفق العبارة التي يستخدمها المسؤولون: "كلما قدّمت أكثر، حصلت أكثر". أي خلال هذه الفترة، ستقوم الولايات المتحدة برفع العقوبات الاقتصادية تدريجيًا إذا التزمت إيران، لكنها ستعيد فرضها ـ إلى حد خنق الاقتصاد ـ إذا أبدت طهران مقاومة أو رفضًا.
ومن هم الجمهوريون الرافضون للاتفاق؟
ما يثير حفيظة بعض حلفاء ترامب من الجمهوريين، أن الاتفاق قد يجبر ترامب على منح إيران شريانًا اقتصاديًا مقابل إعادة فتح المضيق. وتبعًا لذلك، نبّه مستشار الأمن القومي الأول لترامب، مايكل فلين، الرئيس عبر منصة "إكس" من أن "النظام الإيراني يكذب"، مؤكدًا أن "مبلغ الـ25 مليار دولار الذي يُقال إن الولايات المتحدة تعرضه عبر تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول المجمّدة، سيكون بمثابة "جزية" لنظام إرهابي".
بدوره، كتب السيناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ: "وقف إطلاق النار المزعوم لمدة 60 يومًا ـ مع الاعتقاد بأن إيران ستتعامل يومًا ما بحسن نية ـ سيكون كارثة".
وبالمثل، أعرب السيناتور ليندسي غراهام عن تخوفه من أن "إنهاء الحرب الآن سيمنح إيران انتصارًا لم تحققه في ساحة المعركة".
وفي السياق ذاته، اعتبر السيناتور تيد كروز، في تغريدة، أن الحرب ستكون "خطأ كارثيًا" إذا انتهت بـ"نظام إيراني لا يزال يديره إسلاميون يهتفون بـالموت لأميركا، يحصل الآن على مليارات الدولارات، ويصبح قادرًا على تخصيب اليورانيوم وتطوير أسلحة نووية، ويمتلك سيطرة فعلية على مضيق هرمز".
كما رأى وزير الخارجية السابق في إدارة ترامب، مايك بومبيو، أن "التقارير الأولية عن الاتفاق، تبدو وكأنها مأخوذة مباشرة من دليل ويندي شيرمان وروبرت مالي وبن رودز، في إشارة إلى ثلاثة من كبار مسؤولي إدارة أوباما الذين ساعدوا في صياغة الاتفاق النووي مع إيران عام 2015.
في المحصلة:
بناءً على كل ما تقدّم ، يبدو أن مأزق ترامب كبير؛ فلا جولة عسكرية جديدة ستمنحه نصرًا كاملًا، ولا الاتفاق سيحقق له كامل أهدافه الاستراتيجية، وبالتالي هو حاليًا أمام معادلة خاسر ـ خاسر. وعليه، فإن الاتفاق هو أهون الشرَّين بالنسبة إليه حاليًا.

