د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
بالرغم من السيطرة الجوية شبه المطلقة للولايات المتحدة وإسرائيل على السماء الإيرانية طيلة أيام الحرب، غير أنّ القدرات الاستخباراتية للأخيرة فاجأت واشنطن وحلفاءها، عندما استهدفت (وبدقة متناهية) تجهيزات ومنظومات عسكرية عالية القيمة في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط، بدءًا من طائرات الدعم الاستراتيجي وصولًا إلى مواقع الرادارات الباهظة الكلفة، إضافة إلى مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي.
أمّا الجهة الرئيسية المتّهمة بالوقوف خلف طهران في امتلاك هذه المعرفة النوعية، فكانت الصين، التي زوّدت الحرس الثوري الايراني ــــ بطريقة غير مباشرة ـــ بالمعلومات والبيانات الحساسة التي أتاحت له تحقيق ضربات ناجحة ضد القواعد والمنشآت الأميركية.
التعاون الفضائي الأمني بين بكين وطهران
عمليًا، تعود الجهود الصينية لتعزيز قدرة إيران الردعية في مجال الضربات بعيدة المدى إلى سنوات خلت. ففي عام 2024، أقامت طهران ( بحسب التقارير الغربية) علاقات عسكرية مع كل من شركتي “Chang Guang” و“MinoSpace Technology الصينيتين، بهدف الحصول على دعم استخباراتي فضائي.
ضع في اعتبارك، أن شركة Chang Guang، تُصنّع أقمارًا صناعية صغيرة تُعرف باسم “CubeSats”، وهي أقمار نانوية مصغّرة وقابلة للتعديل، مزوّدة بأنظمة تصوير عالية الدقة. فيما تعمل شركة MinoSpace (ومقرها بكين)، بالمقابل، على انتاج سلسلة أقمار “Taijing” المخصّصة لمراقبة الأرض.
وبناءً على ذلك كله، ساهم هذا التعاون مع هاتين الشركتين في تطوير قدرة طهران على مراقبة المنشآت العسكرية الأميركية، والأهم أنّه سرّع جهودها في وضع بنك أهدافها العسكرية وتحديد المواقع العسكرية المحتملة بدقة أكبر.
الأقمار الصناعية الصينية والمساعدة في ضرب الأهداف
في الواقع، نقل موقع "معهد هدسون" عن مواقع استخباراتية مفتوحة المصدر، أنّ صور الأقمار الصناعية الصينية، ودعم الاستخبارات الجغرافية المكانية، والتقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي المقدَّمة من بكين، سهّلت لطهران رصد ومعرفة أماكن توزيع القدرات العسكرية الأميركية الأكثر حساسية وأهمية في الشرق الأوسط، وبالتالي اختيار الأهداف التي يجب ضربها أولًا، الأمر الذي ساعدها على تنفيذ هجمات دقيقة وانتقائية ضد المنشأت الأمريكية، رغم الضغوط العسكرية الكبيرة التي كانت تواجهها.
ووفقًا للرواية الرسمية الصادرة عن الإدارة الأميركية، قامت شركة “MizarVision” الصينية بنشر صور مفتوحة المصدر للنشاط الأميركي أثناء الحرب. كذلك فعلت شركة Earth Eye، الصينية (المتخصصة في تقنيات الاستشعار والتصوير عن بُعد) بعدما زوّت إيران مباشرة بصور ومعلومات فضائية التُقطت بواسطة الأقمار الصناعية.
وبالمثل، عملت شركة Chang Guang Satellite Technology (وهي جهة تجارية مرتبطة بجيش التحرير الشعبي الصيني)، على تجميع وتقديم صور لإيران ولحلفائها تضم قواعد عسكرية أميركية.
ونتيجة لذلك، ورغم أنّ كثافة عمليات إطلاق الصواريخ الإيرانية تراجعت بحلول آذار الماضي، غير أنّه جرى ضرب طائرة الإنذار المبكر والتحكم الجوي الأميركية E-3 Sentry (AWACS)” ، داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية، فضلًا عن نجاح إيران، في 13 آذار الماضي، بإيقاع أضرار كبيرة بخمس طائرات تزوّد بالوقود من طراز KC-135 Stratotanker في القاعدة نفسها، إضافة إلى أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية (SATCOM)، ومراكز القيادة والسيطرة في قواعد أميركية عدة.
وكانت طهران قد استهدفت، في 28 شباط الماضي، بطائرات مسيّرة، منشأة الدعم البحري التابعة للأسطول الأميركي الخامس، حيث أكدت صور الأقمار الصناعية لاحقًا تضرر محطات اتصالات عبر الأقمار الصناعية (SATCOM) بشكل واضح.
إلى جانب ذلك، كشفت صور الأقمار الصناعية عن مهاجمة طهران لبنى تحتية عالية القيمة، من بينها رادار الإنذار المبكرAN/FPS-132 في قطر، الذي تعرض لأضرار جسيمة في آذار 2026. كما أفادت تقارير بأنّ هجمات مشابهة طالت منشآت رادار في منطقتي الرويس والسادر في دولة الإمارات خلال الفترة نفسها.
إشارة إلى أنّ الفارق في الكلفة بين الهجوم والدفاع كان لافتًا للغاية. فثمن الرادار AN/FPS-132، يُقدَّر بحوالى 1.1 مليار دولار، وقد وُضع في الخدمة عام 2013، اما سعر الطائرات المسيّرة التي استعملتها طهران لضرب هذا النظام، فيتراوح، ما بين 20 ألفًا و60 ألف دولار فقط. وعليه، زاد هذا التفاوت الكبير في الكلفة من فعالية الحملة الإيرانية وعزّز تأثيرها العملياتي ضد الولايات المتحدة. والأرقام هنا على ذمة "معهد هدسون".
الأقمار الصناعية الصينية بخدمة خصوم أميركا
في الحقيقة، يسلّط هذا التعاون القائم بين بكين وطهران الضوء على مشكلة لا تقتصر على منطقة الخليج فقط، إذ إنّ قطاع الأقمار الصناعية التجارية الصيني قدّم الدعم لجهات تُعدّ معادية للغرب في مناطق مختلفة من العالم، خصوصًا "مجموعة فاغنر" الروسية السابقة خلال الحرب في أوكرانيا، وجماعة الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن.
ولهذه الغاية، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنّ شركة، Chang Guang دعمت الحوثيين، عبر إطلاق صواريخ على حركة الملاحة البحرية في مضيق باب المندب، وهو ممر بحري استراتيجي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي الأوسع.
علاوة على ذلك، وبصفتها الجهة المشغّلة لمنظومة Jilin-1، أكبر شبكة أقمار صناعية تجارية صينية، تتحدث تسريبات استخباراتية أميركية وغربية عن أنّ الشركة ذاتها، مدّت الحوثيين بصور ومعلومات فضائية استُخدمت في عمليات ضد السفن التجارية والقوات البحرية الأميركية. والمثير أنّ الشركة واصلت دعمها لهذه الجهود رغم قيام واشنطن بإثارة القضية مع بكين.
وبناءً على ذلك، فرضت واشنطن، في أيار 2026، عقوبات على عدة شركات صينية بسبب تزويدها إيران بصور ومعلومات فضائية ساعدت في تنفيذ ضربات ضد القوات الأميركية. كما اتخذت الولايات المتحدة، عام 2023، إجراءات عقابية بحق شركة “Chang Guang” على خلفية تسليم مجموعة فاغنر الروسية كمية كبيرة من الصور والمعلومات الفضائية خلال فترة الحرب الروسية ــ الأوكرانية.
في المحصّلة:
إنّ النموذج الصيني في القدرة على الإنكار السياسي، فيما يتعلق بدعم إيران أثناء الحرب وحتى قبلها، يوفّر لطهران إمكانيات أفضل في تحديد الأهداف العسكرية المقبلة في حال نشوب أي جولة حرب جديدة في المنطقة. كما تسمح هذه الآلية للصين بتجنّب التدخل المباشر، عبر دعم إيران وحلفائها عبر قنوات تجارية، مع الاستمرار في استنزاف الولايات المتحدة وفرض أكلاف عليها من مسافة دبلوماسية آمنة.

