طارق الحجيري - خاص الأفضل نيوز
بينما يتفاخر بعض اللبنانيين بإغلاق مضيق هرمز والتحرشات في باب المندب، وكأنهم أصبحوا لاعبين في ملاعب كبار العالم، يرسمون خرائط النفوذ الإقليمي، ويحددون طرق التجارة الدولية، يبقى غيرهم من اللبنانيين في جغرافيا أخرى، جغرافيا السوق السوداء، والأسعار المنتفخة، والرواتب الهزيلة التي فقدت قيمتها يومًا بعد يوم.
مهلًا أيها الأبطال، مهلًا، فشعارات معارككم الكبرى، من حولا إلى تعز، لا تدفع فاتورة كهرباء مدولرة، ولا تملأ خزان وقود باصات المدارس، ولا تؤمّن ثمن الدواء أو ربطة الخبز.
مأساة قادمة
ففي قرى لبنان الجبلية والمرتفعات، تبدو الصورة أكثر قسوة وقتامة. الشتاء يطرق الأبواب حاملًا مأساة كبرى، فالبرد لا ينتظر تحسّن الظروف الاقتصادية والمالية. عائلات كثيرة بدأت التقنين القاسي و"شد الأحزمة"، تحسب كلفة التدفئة والمحروقات والمواد الغذائية والأدوية، فيما مداخيلها تتآكل أمام الارتفاع المتواصل في الأسعار.
في لبناننا المنهك بالأزمات المتوارثة، الغلاء ليس أرقامًا تُسجّل في خانة الأسعار، بل أزمة يومية تثقل تفاصيل حياة الناس. ربطة الخبز ارتفع سعرها، صفيحة المحروقات تضاعفت، فاتورة الكهرباء تحضر مسرعةً فيما الكهرباء وعدًا معلقًا، والمدارس باتت جحيمًا لا بد منه، أما الطبابة والاستشفاء فنصيب المحظيين، كلها أزمات قاتلة، ترزح فوق صدور عائلات أنهكها العوز وتحاول تدبير شؤونها بما تبقى من مداخيلها.
الخطابات ليست حلًا
المواطن ملّ السياسات الحمقاء، لا يريد خطابات إنشائية إضافية، ولا جلسات نيابية تقتل الذوق العام وتسيء للعمل التشريعي نفسه. ملّ نهج قبضايات الساحات والتراشق والشتائم ورفع الأصابع. يريد دولة فعلية تحميه، ومؤسسات تعمل وفق القانون، وقوانين تُطبّق على الجميع دون محاباة واستثناءات، ورقابة جدية صارمة تحدّ من الاحتكار والتلاعب، وسياسات اقتصادية آنية ومستقبلية، تخفف عنه أعباء الحياة.
والدولة في لبنان لا تحتاج معجزة، ولا عصا سحرية، بقدر ما تحتاج رجال دولة. رجال دولة حاضرون في حياة المواطن، لا طالبي مهرجانات التأييد والمبايعة والتصفيق، رجال دولة يضعون كرامة الناس في صلب أولوياتهم.
فحين يصبح تأمين مواد ولوازم الدفء في الشتاء حلمًا، ودواء المريض عبئًا، والطعام معركة بقاء يومية، فإن جنون الأسعار لا يعود أزمة اقتصادية فحسب، بل يتحول إلى تهديد مباشر لحياة المواطن وكرامته، ولبقاء الوطن ذاته.
آخر الكلام، لا يمكن للبنان أن يخرج من هذه الدوامة إلا باستعادة الدولة لدورها، ووضع هموم الناس في مقدمة الأولويات.

