د. علي دربج ــ خاصّ الأفضل نيوز
نعم، صدّق: كل 76 ثانية، تخرج سيارة جديدة من مصنع «شاومي» قرب بكين، حيث يتولّى 700 روبوت معظم العمليات، لكن خلف هذا الإنجاز، مفارقة تستحقّ التوقّف: الصين تُنتج أكثر، فيما مصانعها توظّف عمالًا أقل بـ18 مليونًا مقارنةً بعام 2013، وفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبين آلات تتسارع ووظائف تتراجع، يبرز السؤال: أين تذهب المنتجات حين تصنع الآلات أكثر مما يشتريه الناس؟
الصين تتجاوز أربعة عمالقة مجتمعين
في الواقع، لم تعد الصين مجرّد ورشة للسلع الرخيصة؛ فبحسب منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، تستحوذ على 32% من القيمة المضافة للتصنيع عالميًا؛ أي أكثر من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعةً، وضعف حصتها عام 2010.
واللافت أن تفوّقها لا تفسّره العمالة الرخيصة وحدها؛ فوفق شركة «أليكس بارتنرز» الاستشارية، تستطيع مصانع السيارات الصينية الغنية بالروبوتات الإنتاج بكلفة أقل بين 25% و30% من نظيراتها الأميركية والأوروبية، السرّ في "الأتمتة"، وقرب المورّدين، وتصميم سيارات أسهل تصنيعًا، تحتاج إلى ساعات عمل أقل.
مصانع تُنتج كثيرًا... وتخسر أيضًا
ضع في اعتبارك أن المصنع قد يُنتج كثيرًا، ومع ذلك يخسر المال إذا لم يبع منتجاته بسعر يغطّي كلفة تصنيعها. وبحسب «كابيتال إيكونوميكس»، شركة الأبحاث والاستشارات الاقتصادية ومقرّها لندن، سجّل ما يقارب ثلث الشركات الصناعية الصينية خسائر العام الماضي.
أكثر من ذلك، يقدّر بنك «ناتيكسيس» الاستثماري الفرنسي أن 12% من الشركات الصينية لا تكفي أرباحها حتى لدفع فوائد ديونها؛ أي ضعف النسبة قبل الجائحة، ونحو ضعف المتوسط العالمي.
والمثير في الأمر أن الخسائر لا تُخرج هذه الشركات من السوق بالضرورة، فشركة «نيو» للسيارات تخسر منذ عشر سنوات متواصلة، لكنها تحظى بدعم حكومي محلي، وتساعد الحكومات المحلية والبنوك الحكومية شركات أخرى على الاستمرار رغم خسائرها، حتى لا يفقد العمال وظائفهم، ولا تخسر الحكومات إيراداتها الضريبية.
السعر منخفض... والمورّد ينتظر أمواله
في المقابل، لا يجوز اختزال المنافسة الصينية بالدعم الحكومي. فبحسب مجموعة «روديوم»، شركة الاستشارات والأبحاث ومقرّها نيويورك، تبيع «بي واي دي»، أكبر شركة لصناعة السيارات في الصين، سياراتها بسعر أقل من تسلا بمقدار 4,700 دولار للسيارة في المتوسط. لكن الدعم الحكومي لا يفسّر سوى 235 دولارًا من هذا الفرق،
غير أن وراء الأسعار جانبًا آخر: حصلت «بي واي دي» عمليًا على تمويل بلا فوائد بتأخير مدفوعاتها للمورّدين لأشهر، وفي مرحلة من العام الماضي، أدرجت قرابة 25 مليار دولار تحت بند «مستحقّات أخرى»، ومع انتشار الممارسة، دعا مجلس الدولة الشركات الكبرى إلى الدفع خلال 60 يومًا.
المشترون أقل... والسيارات تتجه إلى الخارج
بناء على ما تقدم ثمة مفارقة تظهر هنا، إذ إنه مقابل كل سيارة يشتريها الناس داخل الصين، تستطيع المصانع إنتاج سيارتين. ومع ذلك، تواصل زيادة قدرتها الإنتاجية لتصنع خمسة ملايين سيارة إضافية سنويًا، وفق الاقتصادي براد سيتسر من مجلس العلاقات الخارجية.
علاوة على ذلك، تجدّ السيارات الإضافية طريقها إلى الخارج. فبينما تراجعت مبيعات السيارات الجديدة داخل الصين 22% في الربع الثاني، ارتفعت صادراتها بأكثر من 50% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025، مقتربةً من 7.5 ملايين سيارة، وفق الجمارك الصينية.
في المحصلة:
يتّجه فائض الإنتاج الصيني إلى أسواق العالم، حاملًا سيارات متطوّرة وأسعارًا منافسة، وأمام المصانع الأميركية والأوروبية اختبار صعب: مواجهة شركات تُنتج بكفاءة عالية، ويستطيع بعضها الاستمرار حتى حين تتراكم الخسائر.

