ميرنا صابر - خاصّ الأفضل نيوز
قد لا يحتاج اللبناني إلى تقرير دولي ليعرف أن هواء بيروت لم يعد كما كان، بل يكفي أن يقف دقائق في زحمة السير، أو يفتح شرفة منزله قرب مولد كهرباء، حتى يشعر أن المشكلة موجودة فعلاً. لكن هذه المرة، الأرقام وضعت بيروت في موقع مقلق جداً.
فبحسب مؤشر التلوث لعام ٢٠٢٦ الصادر عن منصة Numbeo، جاءت بيروت في المرتبة الأولى عربياً والسادسة عالمياً، بعدما سجلت نحو ٩٣.٧ نقطة على مؤشر التلوث، وتقدمت عليها عالمياً مدن مثل كاتماندو في نيبال، وتيتوفو في مقدونيا الشمالية، وفريد آباد في الهند، وأولان باتور في منغوليا ودكا في بنغلادش. أما عربياً، فجاءت بيروت في المرتبة الأولى، بينما حلت القاهرة في مرتبة أدنى عالمياً... لكن ماذا يعني هذا التصنيف فعلياً؟
مؤشر Numbeo لا يقيس تلوث الهواء فقط، بل يأخذ بعين الاعتبار عوامل أخرى مثل تلوث المياه، النظافة، النفايات، الضوضاء، المساحات الخضراء ونظرة السكان إلى مستوى التلوث في مدينتهم، لذلك، لا يمكن القول إن بيروت هي السادسة عالمياً علمياً من حيث تلوث الهواء فقط، لكنها السادسة عالمياً ضمن مؤشر التلوث العام للمنصة، ومع ذلك، عندما ننتقل إلى الدراسات العلميّة عن هواء بيروت، لا تبدو الصورة مطمئنة أيضاً.
دراسة أجريت في العاصمة بين عامي ٢٠٢٢ و ٢٠٢٣ أظهرت أن متوسط الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم PM2.5 بلغ نحو ١٧.٢ ميكروغراماً في المتر المكعب، وللتبسيط أكثر، منظمة الصحة العالميّة توصي بألا يتجاوز المعدل السنوي لهذه الجسيمات ٥ ميكروغرامات في المتر المكعب؛ أي أن المستوى الذي سجل في بيروت تجاوز المستوى الذي توصي به المنظمة بأكثر من ثلاثة أضعاف، وفي بعض المناطق كانت الأرقام أعلى؛ ففي محيط المقاصد، على سبيل المثال، وصل المعدل إلى نحو ٢٢.٦ ميكروغراماً في المتر المكعب، أي أكثر من أربعة أضعاف المستوى الموصى به عالمياً،
وهنا نصل إلى السؤال الذي يعرف اللبناني جزءاً كبيراً من إجابته: من أين يأتي كل هذا التلوث؟
المولدات أولاً، ففي بيروت يا سادة، لا تكاد تمر في حيّ من دون أن تجد مولداً يعمل بين الأبنيّة والمحال والمنازل، ومع أزمة الكهرباء التي رافقت اللبنانيين طوال السنوات الماضية، تحولت هذه المولدات إلى مصدر أساسي للطاقة... ولكن أيضاً إلى مصدر أساسي للتلوث، الدراسة نفسها وجدت أن انبعاثات الديزل كانت من أبرز مصادر التلوث في المواقع التي تمت دراستها، ووصلت مساهمتها في وسط بيروت إلى نحو ٥٦٪ والقصة لا تنتهي عند المولدات.
هناك أيضاً زحمة السير، وعدد كبير من السيارات، وعوادم المركبات، إضافة إلى حرق النفايات في بعض المناطق، وضعف المساحات الخضراء والرقابة البيئية. بمعنى أبسط، بيروت لا تملك مصدراً واحداً للتلوث يمكن معالجته، بل مجموعة مصادر تعمل كلها في الوقت نفسه، والأكثر خطورة في هذا الموضوع أن الجسيمات الدقيقة الموجودة في الهواء ليست مجرد غبار نراه أمامنا.
أظهرت دراسة للجامعة الأميركية في بيروت أن جزءاً كبيراً من الجسيمات التي تخرج من مولدات الديزل صغيرة جداً، إلى درجة تسمح لها بالوصول إلى مناطق عميقة في الرئتين، وهنا تتحول القصة من مشكلة بيئيّة إلى مشكلة صحيّة.
تربط منظمة الصحة العالميّة التعرض المستمر لتلوث الهواء بارتفاع مخاطر أمراض القلب والسكتات الدماغية وأمراض الجهاز التنفسي والربو وبعض أنواع السرطان، أما في لبنان، فيشير تقرير للبنك الدولي إلى أن تلوث الهواء الخارجي والأوزون تسبب بنحو ٢٨١٥ وفاة مبكرة خلال عام ٢٠٢٣، كما قدّر التقرير الكلفة الاقتصادية المرتبطة بتلوث الهواء الخارجي والأوزون بنحو ٦٣٢ مليون دولار خلال سنة واحدة.
طبعاً، هذه الأرقام تشمل لبنان كله وليس بيروت وحدها، لكنها تظهر أن الموضوع أبعد بكثير من مجرد غيمة سوداء نراها فوق المدينة. والمفارقة أن لبنان يملك قانوناً لحماية نوعية الهواء منذ سنوات، إلا أن المشكلة تبقى في التطبيق والمراقبة، حتى شبكة مراقبة جودة الهواء الوطنية توقفت عن العمل منذ عام ٢٠١٩، بحسب البنك الدولي، ما يعني أن لبنان دخل سنوات من الأزمات البيئية من دون نظام وطني متكامل يرصد باستمرار ماذا نتنفس.
لهذا، قد يكون تصنيف بيروت السادسة عالمياً صادماً عندما نقرأه للمرة الأولى، لكنه ليس مفاجئاً تماماً لمن يعيش يوميات العاصمة، مولدات بين الأبنية، سيارات عالقة في الزحمة، دخان، نفايات ومساحات خضراء محدودة... كلها عوامل تراكمت لسنوات.
بيروت، المدينة المفتوحة على البحر المتوسط والتي طالما ارتبط اسمها بالبحر والهواء والحياة، وجدت نفسها اليوم الأولى عربياً والسادسة عالمياً على مؤشر التلوث، فبتنا كلبنانيين أمام سؤال أكثر دقة وخطورة: ماذا نتنفس كل يوم، وكم سندفع من صحتنا قبل أن يتحول الهواء النظيف إلى أولوية؟

