*هادي بو شعيا - الأفضل نيوز*
أحدَثَت زيارةُ الاتحاد البرلماني العربي أوّل أمس، الأحد، إلى سوريا تحوّلاً جديدًا في العلاقات العربيّة-السّورية التي يبدو أنّها ستعودُ قريبًا إلى سابق عهدها، وتستعيدُ معها دمشق مقعدها في جامعة الدول العربية.
فإذا كانت هذه الزّيارة تمثّل، كما قال الرّئيس السوري بشار الأسد، نبضَ الجماهير العربية وأصالتَها، وتعكسُ حالةَ إجماعٍ شعبيّ عربيّ؛ إلّا أنّ الجانب السّياسي فيها ما عادَ خافيًا على أحد وهو يمهّد حتمًا لدورٍ عربيّ أكبر في إعادة إعمار سوريا، والشّروع في الخطوات الأخيرة لإنهاء تلك الحرب الكونيّة الّتي كانت الأعنف والأشرس في هذا القرن، نظرًا لضَراوتها الميدانيّة ومشاركة معظم دول العالم فيها سواء مباشرةً، أو عبر الوسطاء أو المرتزقة أو حتّى الإرهابيين.
بدايةً وأوّلاً، تأتي زيارةُ البرلمانيين العرب استكمالاً لمسلسل العودة العربية إلى سوريا، حيث شكّلت البحرين والإمارات العربية المتحدة عنوانًا بارزًا فيه. ذلك أنّ إعادة فتح سفارتَيْ البلدين كانت تعني، وعلى نحو لا يقبل التّأويل، أنّ أكبر الدول العربية في منطقة الخليج أيّ المملكة العربية السعودية كانت قابلة بذلك.. هل كان بإمكان البحرين إعادة فتح سفارتها في دمشق دون رضىً ضمنيٍّ من قبل الرياض؟
كما تأتي الخطوة، ثانيًا، في سياق معلومات كثيرة تُفيدُ باقتراب تظهير العلاقات السعودية- السورية بعد أن كانت (العلاقات) تحصل سرًّا أو عبر قنوات أمنيّة، كما كانت الحال مؤخرًا أو على سبيل المثال مع زيارة مدير الإدارة العامة في المخابرات العامة السورية، وعودته بطائرة خاصّة بعد لقاءات هامّة له في الرياض.
ثالثًا، تأتي زيارة البرلمانيين العرب في أعقاب زيارة الأسد إلى سلطنة عمان، وذلك بعد أشهر قليلة على زيارته إلى الإمارات العربية المتحدة والتي أحدثَت ضجّةً وحدثًا كبيرَيْن آنذاك.
وغالبًا ما تلعبُ سلطنة عمان أدوار وساطة ناجحة خلف الأبواب الموصدة، وسوف تتجلّى حتمًا نتائجها في فترة قريبة.
رابعًا، تأتي خطوة البرلمانيين العرب إثرَ حلحلة بعض الأبواب من واشنطن التي أعلنت السّماح لجهود ومواد الإغاثة الإنسانية بالوصول إلى سوريا، كاستثناءات محدودة لقانون "قيصر"، وذلك لمدة 180 يومًا تنتهي في الثامن من شهر آب/أغسطس المقبل.
أما خامسًا، تأتي الخطوة بعد أن كادت العلاقات التركية-السورية تعود إلى مجاريها بوساطة روسية، بالرّغم عمّا يُقال حاليًا عن ضغوط وإغراءات أميركية بغية التّخفيف من الاندفاعة التركية، بانتظار ما ستؤول إليه الحرب المُستعرة في أوكرانيا. ولا يَخفى على أحد وقوف سوريا إلى جانب حليفتها روسيا في هذه الحرب. فيما تحاول تركيا اللّعب بأوراق التّناقضات الدولية، مستفيدةً من هذا الصّراع، ولذلك تبرزُ الإغراءات الأميركية والأوروبية الكثيرة لتركيا شرط تعليق أنقرة انفتاحها على دمشق من جهة، وإبدائها موقفًا مغايرًا بالنسبة للحرب الأوكرانية من جهة أخرى.
سادسًا، تأتي الخطوة العربية في خضمّ الحديث عن جولة سادسة من المفاوضات السعودية-الإيرانية قد تُعقد على الأراضي العراقية، إذ ثمّة من يعتقد أنّ حلحلة الملفّ العراقي-السعودي ربما تُفيد على نحو مباشر الملفّ السوري.
مع وصول وزير الخارجية المصري سامح شكري أمس إلى سوريا لنقل تضامن بلاده معها كذلك بالنّسبة إلى تركيا، يبدو جليًّا أن طريق دمشق باتت معبّدة تمامًا أمام الدول العربية التي كان جزء منها يتريّث في الانفتاح على دمشق، مُشترطًا خطوات سياسيّة من الأسد إزاء ملفّات داخليّة عدّة منها الدستور والمعارضة والوعد بتقليص الوجود الإيراني.
قد يكون صحيحًا أنّ دولاً عربية عديدة لم تكن قد قطعت العلاقات مع دمشق، على الرغم من قرار تعليق عضويتها في جامعة الدول العربية. لكن الصّحيح أيضًا أنّ الشّروط السابقة آخذةٌ بالتّلاشي شيئًا فشيئًا، فبعد ضرب جماعة الإخوان المسلمين في مصر وتراجع قوة "الإخوان" داخل المعارضة السورية، تلاشى بالتالي دورُ عددٍ قليلٍ من الدول العربية التي كانت تدعم "الإخوان".
بينما كانت مجموعة ثانية من دول عربية أخرى تشترط على دمشق إنهاء الوجود الإيراني وكذلك وجود حزب الله. فيما كانت مجموعة ثالثة من الدول العربية تؤكّدُ أنّ لا انفتاحَ قبل حصول خطوات سياسيّة حيال تعديل الدستور وإشراك المعارضة. بينما ترى مجموعة رابعة من الدول أنّ أيّ انفتاح على دمشق سيثيرُ حفيظة واشنطن ما دفعها للتّريّث أكثر من مرة.
يبدو أنّ الزلزال الذي ضربَ سوريا وتركيا، وما أثاره من تعاطفٍ عربيّ شعبيّ وسياسيّ، قد أحرج الجميع فتقاطروا إلى دمشق.
فما بات مؤكّدًا اليوم أنّه بعد سقوط فكرة إسقاط الأسد التي كانت سائدة منذ سنوات، وبعد أن ربح المحور الذي تنتمي إليه سوريا المعركة العسكرية، باستثناء القسم المتبقي من إدلب أو في المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، ثمة قناعة عربية بدأت تنضج وتكبر بوجوب العودة إلى سوريا والمساهمة في إعادة الإعمار للتّخفيف من التّأثير الإيراني.
أمّا الاحتلال الأميركي في سوريا يبقى مرهونًا بطبيعة الصّراع مع روسيا والذي زادَت حدّته بعد اشتعال الجبهة الأوكرانية، ولذلك يبرزُ احتمالان في هذا المجال: إمّا التّشدّد أكثر في دعم الأكراد والمضي قُدمًا في تحدّي روسيا وسوريا وإيران وإما البحث عن تسويات عبر تركيا والعرب العائدين إلى دمشق.
في المُحصّلة، باتت العودةُ العربية إلى سوريا أكثر من ملحّة نظرًا لاعتبارات عدّة أبرزها معاناة الشعب السوري، بمن فيه الموالون للدولة، الذين ضاقوا ذرعًا بالفقر والبطالة وانهيار العملة وغلاء المعيشة وانسداد الأفق.
يبقى أن ننتظرَ ردّة الفعل الغربية عمومًا، والولايات المتحدة الأميركية خصوصًا، وموقف إسرائيل تحديدًا حيال الانفتاح العربي الكبير على سوريا التي سبقَ لها أن شنّت عدوانًا قبل أيام على الأراضي السورية.

