زياد العسل - خاصّ الأفضل نيوز
لا شيءَ أصعبُ وأسهلُ في آنٍ، من أن تصفَ الواقعَ اللبنانيّ، فالصعوبةُ فيه تكمنُ في عدمِ تصديقِك للحال التي وُضعت فيها معظمُ العائلات اللبنانية، والسّهولة في ما ترى وتسمع وتُخبر به، عن نمطِ حياةٍ أضحى من الماضي، والتّغذيةُ هي خيرُ شاهدٍ على ذلك، حيثُ إنّ اللّحومَ على سبيلِ المثال،التي كانت جزءًا لا يتجزّأُ من طبق اللبنانيّ، غابت هذه الفترة عن مائدته نظرًا لارتفاعِ أسعارها، المرتبط بارتفاع سعر الدّولار، والانهيار الدراماتيكيّ للعملةِ الوطنيّة.
"الأفضل نيوز" زارتْ بعضَ الملاحم، واستمعت لردودِ بعض النّاس عن كثب، فيما يتعلّقُ بالقصّابين والزّبائن، إذ يؤكد خالد (٥٥ عامًا من البقاعِ الأوسط)، أنّهُ باتَ يشتري كمّيَّاتٍ من اللَّحمة بطريقةٍ مدروسةٍ جدًّا، ولا مجالَ" للبعزقة" بعد الآن، فراتبُه صار يساوي ثمنَ بضعةِ كيلوغرامات" مشوي" وكيلو نيّة" وفق وصفِهِ، وهو الأمرُ نفسه الذي ترويه نجلاء (رّبةُ منزل لثلاثة أولاد)، حيثُ تقول:"كنا نزورُ الملاحم كما نزور الأفران في السّابق، ولكنَّنا اليومَ أصبحنا بحاجةٍ لاحتفالٍ وصورة تذكارية للمناسبة.
مبيعُ اللّحمِ تراجعَ وفقَ صاحب ملحمةِ الإمارة في بلدة ضهر الأحمر سليمان جابر، وما نعاينه يوميًّا، يصبُّ في فكرة طبقيّة اللحمة، وهو كأيّ سلعة ينخفض الطّلب عليها، جرّاء انهيار سعر صرف العملة الوطنيّة، وثمّةَ زبائن لم نعد نشاهدهم منذ فترة من الزّمن.
أحمد البعلبكي، صاحبُ ملحمة وفرن البعلبكي يؤكدُ لموقعنا: إنّ الوضع الاقتصاديَّ صعبٌ جدًّا، وما يُحرّكُ السوق هو "الدولار الاغترابي"، ومن كان يشتري 2 كيلو أو أكثر، بات يبتاع ب400 أو500 ألف ليرة، والوضعُ مستمر ٌّفي هذا الاتجاه، ولا حلَّ قبل حلِّ مشكلة انهيار العملة".
نقيبُ أصحابِ الملاحم في لبنان جوزيف الهبر يتحدّث "للأفضل نيوز " عن كارثةٍ محتملةٍ لهذا القطاع، وتشتُّتِ عشراتٍ بل آلاف العائلات يومًا بعد يوم، جرّاء إقفالِ الملاحم، وعدم قدرة النّاس على الشّراء، ونحنُ نحاولُ ضمن الإمكانات التوفير على المواطنِ اللبناني، ولكنَّ هامشَ التوفير هذا ضئيل؛ لأنَّ كلَّ تفصيلٍ في هذه المهنة يُدفع بالدولار، أُسوةً بكلِّ القطاعات الإنتاجيّة في لبنان، وكُنّا قد قدّمنا أكثر من مشروع، لإعادة استنهاضِ هذا القطاع، ولا حياة لمن تنادي.
بات نحو 80% من السكان تحت خطِّ الفقر، بينما تدهورت قدرتُهم الشرائيةُ وانحسرت الطبقةُ الوسطى إلى حدٍّ كبير، فيما ارتفعت أسعارُ اللحوم، بحسبِ مرصد الجامعةِ الأميركية للأزمة، حتى نهاية العام 2021 بنسبةٍ تراوحت بين 440 و530 في المئة، كما سجّلَ سعرُ الدّجاج ارتفاعًا تراوح بين 328 و425 في المئة. ويوضحُ نقيبُ أصحاب السوبرماركت نبيل فهد أنَّ الزبائن "استبدلوا اللحومَ الحمراءَ بالدجاج في المرتبة الأولى، وفي المرتبة الثانية بالحبوب"، خصوصًا بعد رفع الدعم عنها من قبل الحكومة مع سلعٍ أخرى قبل نحو عام ونيّف.
المجدّرة والبرغل و"المعكرونة"، أصبحت من الأطباق الأكثر استهلاكًا حالياً مع تركيز العائلات على تناولها بشكلٍ متكرّرٍ وفي المقابل غابتِ اللحومُ عن موائدِ عددٍ كبير من اللبنانيين فباتوا يتناولونها مرةً واحدة في الأسبوع كحدٍّ أقصى. فهل أضحت اللّحمةُ حُلمًا لأكثر من نصف شعبٍ، تمّ تحطيمُ عظامِه بإمعان؟.

