وفاء ناصر-خاصّ الأفضل نيوز
على أعتاب توقيت غير اعتياديّ، سيحلُّ شهر ُرمضان ضيفا ثقيلا على موائد اللبنانيين عموما والمسلمين خصوصا، بعد أن مهّد له شهر الصوم لدى المسيحيين تعثرًا على جيوب الذين قاموا بتأدية هذه الفريضة الدينية، رغم ما تحمل في طياتها من منفعة صحية وروحية.
ولأنّ الصيامَ فيه ترفّعٌ عن أطعمة لدى الطائفة المسيحية الكريمة، لم تنفع "الإماتة" من تخفيف وطأة الحمل عن كاهل الذين أرهقتهم الأزمة الإقتصادية المستفحلة ارتفاعًا جنونيًّا في الأسعار وغيابًا غير معهود من قبل المؤسسات الرقابية المعنية.
لطالما دأبت رباتُ المنازل على استقبال شهر رمضان بكثير من الخير. فكانت تعمد إلى "تموين الثلاجة بما لذَّ وطاب" وتأمين المواد والسلع الغذائية التي تحتاجها طيلة أيام الشهر في تحضير إفطار "لا يُبارك" دون مشاركة الجيران بطبق دسم يختزل كل أنواع أطباق المائدة. غير أن هذا التقليد الجميل يخفت وهجه من سنة إلى سنة بسبب الأزمات المتتالية، حتى بات الشغل الشاغل للمتعففين محاولة لسدِّ رمق الجوع ومشاركة الآخرين "من الموجود" عند المقدرة.
وفيما يدور الحديث عن تراجع نسبة الصائمين هذا العام، وتعمّد البعض عدم الصوم بحجة صعوبة تأمين مستلزمات الإفطار المعهود ومتمماته من التحلية والتي تستمر ُّحتى ساعات متأخرة من الليل انتهاءً بوجبة خفيفة "تقِيت جسم العامل" عند السحور، من جهة، ومجاهرة البعض الآخر بأنَّ أيام السنة كلها عبارة عن صوم عن أصناف يحتاجها الجسد للاستمرار بحيث أن الصحة الجسدية غير مؤهلة لذلك بسبب نقص الفيتامينات والمعادن الاساسية،... تفاجئك النسوة القديرات بإصرارهن على إتمام هذه الفريضة ولمّ شمل عائلاتهن من أبناء وأحفاد حول سفرة رمضانية لا تخلو من لطف الخالق ونعمه.
أربعةُ أيام تفصلنا عن استقبال الشهر الكريم، ثقيلة على المواطن "الغلبان" ومرحّب بها من قبل أصحاب الجشع من تجار، محتكرين، منتفعين، متسلقين وسماسرة أزمة، لتحقيق أرباحًا غير مسبوقة دون أن تردعهم خشية ضمير، غصّة فقير أو صمت عوائل كتمت معاناتها تعففا.
ولأنه شهر الخير، لم يخرج من دائرة اهتمام فاعلي الخير. فالأيادي البيضاء سعت قبل اقترابه إلى تحضير حصص غذائية لتوزيعها على المتعففين علها تبلسم أوجاعهم ولو جزئيًّا وتسدُّ بعض احتياجاتهم تحت عنوان التكافل والتعاضد.
بيد أنَّ هذا الإجراء الإنسانيَّ يبقى ناقصا، إما لعدم دقة المعلومات المتوفرة حول وضع الأسر الإجتماعيِّ وقلة معرفة بها أو لأن البعض لا يدخل ضمن أولويات المنفعة في الاستحقاقات القادمة، والتجربة خير برهان.
والمؤسف أنَّ بعض الجهات تستعرض "منيحها" صوريًّا وتخلّده إعلاميًّا وعبر وسائل التواصل الاجتماعي مستغلة مساعدة الآخرين "مادة دسمة" لحصولها على المزيد من الدعم وحجز مركز دائم في زحمة الجمعيات.
في جولة ميدانية، ليست بتكليف من الوزارات الغائبة عن تأدية مهامها قسرا أو عجزا، كان تقصّي الوضع في المحلات التجارية والسوبرماركات يكشف هامش الربح بعد أن باتت الأسعار مدولرة وأسعار السلع رهينة برنامج إلكتروني يحدد الأسعار صعوداً لا نزولاً.
في هذه الأماكن، يُبلور "الأخضر المتمرد" الازدواجية المُرة؛ أفراد تخنقهم الغصة مع كل نظرة وآخرون تتسابق أعينهم وأيديهم لاقتناء الكماليات قبل الضروريات مقتنصين فرصة الأزمة الاقتصادية، عربات محمّلة من جميع ما لذّ وطاب من مأكولات على أنواعها لإضفاء طابع التخمة على موائد رمضانية، مقابل أخرى يأكل الهم صاحبها ويطأطئ رأسه.
وبالطبع، زينة الشهر الفضيل ليست بمنأى عن فلتان التسعير، الذي بدوره انسحب على أسواق الفاكهة والخضار واللحوم ومشتقاتها.فالأسعار الخيالية تنفض من جيوب موظفي القطاع العام وحتى بعض القطاع الخاص ما تبقى من معاشات خسرت قيمتها في ظلِّ ارتفاع سعر الدولار الجنوني ومنصة صيرفة العاجزة عن ضبط إيقاعه. حتى بات المواطنون تائهين ضائعين، يكلّمون أنفسهم على الطرقات وفي كل مكان مذهولين من واقع مرير وحاضر حزين. أصواتهم ترفع شكواهم لربِّ السماء بعدما يئسوا من أرباب الرعية وتبريرات البائعين ممّن دأب لسان حالهم على تكرار معزوفتهم الشهيرة "خسارة بخسارة، حتى الرسمال ما عم نطلعو"، رامين التهم على غلاء المحروقات وفاتورة الكهرباء والمولدات "كلو عم بروح حق محروقات، وفواتير كهربا وموتور"... حتى تكاد تظن أن الخضار والفاكهة واللحوم مصنوعة من المحروقات.
المُسلَّمةُ الوحيدة الحالية تتمثل بعجز مطلق عن شراء حتى الضروريات. وبالتالي موائد الصائمين في شهر رمضان لأصحاب الدخل المحدود والفقراء سوف تقتصر على طبق أساسي إذا توّفر، وغياب للتحلية بعد شطبها من روزنامة الحلويات الرمضانية. أما عن لمة العائلات والأحباب، فهنا يبدأ الجهاد كي لا نترحّم على أيام زمان.
ربّ الفريضة أجاز أعذار الإفطار لمن " كان مريضا أو على سفر" وكرّس لفرائض أخرى "لمن استطاع إليه سبيلاً"، فهل تصبح فريضة الصيام ضمن الاستطاعة تعذيراً وتشريعاً؟- موائد صائمة.. هل يصبح الصوم لمن استطاع اليه سبيلا؟!

